،

أبعد من الخيال

مؤلف الكتاب: 
يوسف سلامة سلامة
نوع الكتاب:
قصص
دار النشر: 
دار الكلمة
تاريخ النشر: 
2010
مكان النشر: 
دمشق
نبذة عن الكتاب:

الكتاب هو مجموعة من القصص القصيرة, وهو الكتاب الثاني أو المجموعة القصصة الثانية للمؤلف بعد مجموعتي القصصية الأولى ((خط أحمر)) التي صدرت عن دار عين الزهور عام 2006

((أبعد من الخيال)) يتألف من اربع عشرة قصة قصيرة تحكي قصصا متفرقة وأبطالها من بلدان مختلفة ومستويات فكرية واقتصادية متباينة تجمعهم أحلام وآمال وآلام متشابهة وان كان في طروف مختلفة, لا تخلو معظم القصص من لمحة كوميدية تعكس سخرية الواقع أكثر مما سخرية الكاتب.

((أبعد من الخيال)) عنوان المجموعة وعنوان القصة الأولى التي تحكي قصة (ما شاء الله مياه) العامل البنغالي المقيم في الرياض, تعود أن يحلم ويجنح بخياله لعوالم بعيدة لينسى مشاق عمله, وليخفف من وطء غربته عن وطنه وأهله, يحمله الخيال الى نهاية مأساوية, لم يتخيلها ولم يحلم بها أو يتمناها, انها حكاية أمواج من المشاعر ليس لها شطآن.

(( القناع)) : طبيب يحكي قصته كيف تسلق سلم المجد والشهرة بزواجه من شابة من عائلة مرموقة, ويحقق كل أحلامه تقريبا, لكنه يصطدم بمشكلة كبيرة, زوجته عاقر, ولأنه الحلقة الأضعف فالأنظار تتجه نحوه, كيف يحمي نفسه؟ كيف يدافع عن نفسه وعن مكتسباته؟ رحلة طويلة يرويها بأسلوب شيق طريف, حتى يلتقي بصاحب القناع, وهنا يكمن السؤال: من هو فينا الذي يرتدي القناع؟ هل نرى عيوبنا ونقاط ضعفنا كما نرى عيوب الآخرين ونقاط ضعفهم؟ أم أننا تعتقد أن قناعنا قد يستر عيوبنا ونواقصنا؟

((علبة كبريت... فارغة)): نعم انها علبة كبريت فارغة.. فارغة تماما.. فمهل يعقل أن تصنع انسانا عظيما, تعبر شهرته الآفاق وتتجاوز حدود الوطن الى كل بلاد العالم, ليكون مرجعا عالميا في اختصاصه.. انها علبة كبريت فارغة, يكرر بطلنا هذا, ويؤمن بأن هذه العلبة الفارغة من الكبريت ستكون الحل السحري لعلاج ولده من الكسل والتقاعس والفشل بعد أن فشلت كل الخيارات الأخرى.. فهل ينجح بطلنا وتنجح علبته الفارغة؟ 

((اثنان على الطريق)) : اثنان يقفان وينتظران سيارة تقلهما, تمر السيارات, وتمر الساعات, ثم يصلان أخيرا محمولين للمستشفى. ليس العيب بالطريق ولا بالسيارات وليس بالشمس التي ضربتهما.. لا يمكن أن تصل أبدا اذا لم تتحرر من التقليد الغبي والأنانية وسوء التخطيط والتنفيذ.

((قرار بارد جدا)): عندما لا نجد من يتحمل مسؤولية عمله, ولا أحد يعترف بخطئه, نفترض عادة أنه لا يوجد مخطئ, فنلقى اللوم على طرف بعيد, هذه المرة كان الباب هو المخطئ وعليه تحمل المسؤولية, هكذا كان قرار المسؤول الأعلى في ظروف جوية بالغة البرودة, حتى أن كل شخص في القصة فضل تحمل المسؤولية عن الباب المظلوم!

((ذات الفستان الأحمر)): قصة حب رومانسية, من ذكريات الأيام الجامعية, أحبها من أول مرة رآها فيها بفستانها الأحمر, في مصرف التسليف الطلابي كلن لقاؤهما الأول, تشاركا في ورقة نقدية من فئة خمس مئة ليرة, وفي رحلة البحث عن الفكة تعمق الحب وتجذر.. افترقا قبل أن يجدا الفكة, فهل يجمع المال المحبينا وطول عهدنا به يفرق المحبينا؟

((استراحة الحواصيد)): في ذرة الحر والتعب, يتوقف سليم ومصطفى عن الحصاد لاسترداد أنفاسهما اللاهبة, يختلفان ويتشاجران بحكم العادة.. ويجريان حتى يتجاوزا الحقول وتتكسر سنابل القمح المحصود تحت أرجلهم, قبل أن ينهارا من شدة التعب فيقرران اللعب! لعبة عقلية! ينتصر سليم الصغير, ويستحق أن يضرب مصطفى بعصاه التي نجرها أملا بلقاء الضبعة, الضبعة لم تظهر, وظهرت حبيبة قلب مصطفى لحظة هبوط العصا على دماغه, ليراها شبحا من خلال شلال دمه المتدفق من جبينه.

((رعاف الرجولة)): هل هو الرعاف هنا هو نزيف الدم من الأنف كما تعلمنا سابقا أم انه نزيف الرجولة بمعناه المجازي, ربما هو الاثنان معا, كما يروي لنا بطل القصة.

((شيوعي شافعي)): نحارب في سبيل أفكارنا ومعتقداتنا, وقد نكتشف بعد أن نبذل حياتنا في سبيل هذه المعتقدات أنا كنا على خطأ أو ربما كنا مخدوعين, محمد القائد العسكري والثائر الاريتيري الكبير يعيش هذه التجربة ويلفظ أنفاسه مكررا قناعته الجديدة: شيوعي شافعي.

((انه لا يعرف)): صرع الأجيال يفرض أن كل جيل لا يفهم الجيل الآخر والأهم أنه يعتقد أن الجيل الآخر ربما لا يفهم بالمطلق, تلك هي حكاية الصراع المعرفي بين نادر وأبيه, الجنس هو شرارة المعرفة المحرمة التي تحرق رايات السلام المرفوعة بين الأب وابنه قبل البلوغ.. فكيف يكون البلوغ المعرفي وما علاقته بالبلوغ الجنسي؟ انه صراع جدلي مستمر.. لأنه (الطرف الآخر ) لا يعرف..

((أدب السجون)): لايعرف الشوق الا من يكابده, ومن يأكل العصي قد لا يجيد عدها, لكنه وحده من يعرف مرارتها, تلك هي قصة راشد العلالي في طريقه لتحضير حلقة بحث عن أدب السجون, يقرر راشد أن يعيش التجربة ليكتب بصدق ودقة وموضوعية.. وقبل أن نقرأ ماذا كتب راشد في الصحف, قد يكون ممتعا أن نقرأ مذا كتب له في صحيفة القدر.

((رسائل قصيرة)): التكنولوجيا غزت كل حياتنا, ومن خلال رسائل جوال قصيرة صاغ الكاتب قصة طويلة فيها تشريح للناس وللمجتمع بلغة خفيفة وطريفة, كيف ترتكب جريمة بواسطة رسالة هاتف جوال, وكيف نحقق ونتابع التحقيق فقط بالرسائل القصيرة؟ انها قصة كلها رسائل قصيرة, وأهمها الرسالة الخاصة بالقارئ, فهل وصلتك رسالتي القصيرة؟

((نحن لا نشرب القهوة)): رغم كل حديثنا عن العلم والمتعلمين الا أنا ما زلنا أسرى لقراءة الحظ, وما زلنا نؤمن بالمنجمين والعرافين, كيف تدمر مزحة على فنجان قهوة حياة وأسرة رجل متعلم, وكيف يتأكد أن زوجته لا تخونه بعد أن رأت قارئة الفنجان صور الخيانة الزوجية في فنجانه؟

 

((حلم صطوف)): صطوف ابن حارتنا وابن زماننا, يعتد بقوته الخارقة ويعتقد أنه بساعديه قادر على أن يفتح كل أسوار العالم, يحلم صطوف بالفرج وبالرخاء, ويأتيه الفرج في حلمه في هيئة جسم هلامي رخو, يعرض عليه الثراء الى أبد الآبدين.., ما أسهل الحلم بل وما أجمله اذا امتلكنا العزيمة لتحقيقه,  حلم صطوف ليس ككل الأحلام, حلم من نوع خاص..

أرجو أن ينال الكتاب رضاكم

وللعلم يمكن الحصول عليه من دار الكلمة أو من دار الحصاد للتوزيع والنشر..

فصل من الكتاب: 

القناع وضعي بلغ ذروته من الحرج, فأنا الطبيب الأريب الذي بلغ صيته الآفاق, ويتقاطر الناس من أنحاء البلاد المختلفة لطلب العلاج والنصح منه, لكني عاجز عن علاج حالتي, المثل الشعبي يقول (إن اليد قصيرة في حق ذاتها), لكن الناس هنا لا تفهم, والأقاويل بدأت تنهش شعبيتي, وان استمر الوضع على هذا المنوال, فسأفقد المجدين, شهرتي الطبية وما تدره علي من مكاسبَ مادية ومعنوية, والنسب العظيم, نعم أيها السادة يجب أن أكون صريحا عند البوح بما يجول في خاطري, فلولا زواجي من الآنسة (رفلة) سليلة الحسب والنسب, لما كنتُ أكثر من طبيب عابر, في أحاديث الناس وسجلات النقابة المهترئة, ولما كانت لوحتي في وسط المدينة, إلا شوكةَ قبح أخرى في خدِّ مدينتنا الجميلة, بينما هي الآن ـ أقصد لوحتي الميمونة وليس الآنسة رفلة, كما يتبادر لأصحاب النوايا السيئة ـ إحدى نقاط العلّام البارزة في دليل السياحة والعلاج والمحسوبية. تلك هي الحياة, تجود مرة واحدة بكلّ شيء, ثمّ تضعك مرة واحدة في مهبّ خسارة كلِّ شيء دفعة واحدة - لا قدَّر الله - كلّ تلك الأمجاد ما كانت لتتمّ لولا فضل الله ونعمته عليّ, حين تعرفتُ على الآنسة رفلة. رفلة بنت الحسب والنسب, تنتمي رفلة لعائلة كلّ أفرادها ومنسوبيها أعضاء بارزون في الهيئات العليا للدولة, سبحان من قسم الحصص في بلادي, عائلة كل أفرادها شخصيات مهمّة وبارزة, وعائلة كل أبنائها موزَّعين ما بين لصوص وقاطعي طريق! للعلم وضرورة السياق, يجب أن تعلموا أنّي لست من هؤلاء ولا من أولاء, لكنّي من عائلة لم يشمّ أحدٌ من أبنائها ريحَ إبطِ رجلٍ مهمٍّ, أو يرتقي أيٌّ منهم وظيفةً مرموقةً قبلي, كنتُ الشرارةَ الأولى التي أرهصت بمجدٍ أسريّ قادم, تواضعي ونبل أخلاقي - كما قالت لي السيّدة جلّنار- كانا وراء هذه النعمة العظيمة, أقصد نعمة تعرّفي أولاً ثم زواجي لاحقاً من رفلة. فبعد أن قدّمتُ خدماتٍ جليلةً للسيدة جلّنار في المستشفى الحكومي الذي كنت أعمل فيه طبيبا من الدرجة الرابعة, قررت السيدة جلّنار - جزاها الله عنّي كلّ خيرـ أن تعرّفني على عائلة ذات محتدٍ نبيل, لتزوّجني كريمتهم, لم أتقبّل الأمر بهذه البساطة طبعاً, وقلت لها قولة مشهورة في السينما العربية :" أنا فين وهي فين.. يا مدام" لكنّ المدام الجليلة, شرحت لي باقتضاب أن أهل رفلة, قوم يملكون كلّ شيء المال والسلطة والجاه, وهم يرغبون بشراء رجل, رجل في زمن عزَّ فيه الرجال, يسرّ ابنتهم ويسترها, وأنت نعم الفتى والرجل. رفلة ابنة أبيها الوحيدة, لكن ما فهمته من شرح السيّدة جلّنار, أنّ والديّ رفلة, قد سئموا من طلّاب القرب التقليديين من أمثالهم من أصحاب الجاه والنفوذ, وكثرة الخلافات والشقاقات بين عرسان أبناء الطبقة المخمليّة, فالشاب الميسور الحال, لن تُشبع غرورَه وشبقَه امرأةٌ واحدةٌ, ولو كانت السفيرة عزيزة ذاتها, ولذا قرّر الوالدان الطيبان أدامهما الله لي تاجا ونبراسا, قرّرا أن يزوّجوا رفلة لشاب ابن أصلٍ - يعني مثلي- كما شرحت لي السيدة الفاضلة جلّنار حفظها الله من كل سوء, وأقسمت لي بشرفها وهي نادرا ما تزجّ شرفها في قضايا كهذه, بأنه لو كان عندها بنت ثانية, لما زوجتها إلا لي, وما كانت ستقبل بالتنازل عنّي لأيّ امرأة أخرى, بل لعلمكم, همست في أذني وهي تضحك: "إذا كنت تملك الصّبر حتى تنتهي معاملة طلاق ابنتي من زوجها (السفير المعروف) فيشرّفني أن أزوجها لك" بشرفي خجلت من هذا الكلام, ولولا بقيّة من حياء لعين, لقلت لها أنّي مستعدّ للانتظار, ففي حينها كانت فرصة الزواج من ابنتها, بعد طلاقها, مضمونة أكثر, أما رفلة فلم أكن واثقا من أن أهلها- مهما تواضعوا- سيقبلون بتزويجها لي, صحيح أنّي شاب متعلم وعلى درجة عالية من الخلق والوسامة.. لكنّي واحد من الشباب الذين يؤمنون بالتمايز الطبقي, وسبحانه عز وجل, خلقنا درجات, فلماذا نغالط أنفسنا!؟ المهم, وببعض الاختصار, تمّت الأمور بأيسر ممّا خطر في بالي, وتزوّجتُ بنت الحسب والنسب, وصرت من أبناء الحسب والنسب بالعدوى والمصاهرة, وسبحان من جعله نسباً وصهراً, صدق الله العظيم.. و.. عينوني مديراً للمستشفى, وكان نفوذي الحقيقي يتجاوز المستشفى بأسرّته ومسرّاته, وكلَّ الإدارات الأعلى وصولا حتى باب السيد الوزير.. وما طار طير وارتفع إلا صار وتصوّر وشبع! وقد وجدّتُّ في رفلة قرّة عين لي, وفوجئت بأخلاقها العالية, وتواضعها الجمّ في التعامل معي, في كلّ الأوقات وبمختلف الوضعيّات, يا أخي فعلا الحقد الطبقي يصوّر لنا دائماً أبناء الطبقات العالية وكأنّهم تماثيل من رخام, لا مشاعر ولا أحاسيس, ولكن -والله يشهد- كانت رفلة تعطيني وضعي وزيادة, وتسقيني القهوة سادة كما يشربها السادة.. وأنا أشربها راضيا وان كنت أفضّلها سكّر زيادة, وتشتري لي ألبستي من الجوارب حتّى ربطة العنق, بل وتربطها بنفسها, لا تشدّها ولا ترخيها, ولا تُغفل لي رغبة, ولا تَغفل عن مراقبتي لحظة.. ومن طول الشرح يتضح لكم أننا عشنا في هناء وسعادة... لفترة.. نعم لفترة.. اذ ليس في طبع الليالي اللعينة الأمان! لنقل أربعة أو خمسة أشهر من العسل.. ثم بدأت الأنظار تتركز على بطن رفلة, تقيسه في الحل والترحال, في الذهاب والإياب, وبطنها الرشيق محافظ على رشاقته كأنّه يتحدّى العيون.. ثم كثُرت الهمسات, وصارت الهمسات بوحاً, تذرّعنا, كذباً وبهتاناً, في البداية أننا نحن- رفلة وأنا - قرّرنا تأخير الإنجاب, لنستمتع بعسل الشباب, لكن عمّي أدام الله عزّه, زجرني زجرة عنيفة, أيقنت عقبها سبب عقمي بعد ذلك اليوم: " شو تأخير وشو استمتاع, استح يا دكتور عندما تتحدّث في حضورنا, نريد ولدا نطمئن به على مستقبلكم.. مفهوم" وبأدب عسكري في دورة الأغرار صحت عاليا: حاضر سيدي. ونفذتُ الأوامر منبطحا.. واقفا.. وجاثيا! و.. ولا جدوى.. حاضر سيّدي.. بودّي ومنى عيني.. لكن كيف يكون ذلك! الأمر ليس بيدي, ولا بكلّ أعضائي, رفلة وأنا نعرف الحقيقة, فقد بذلنا قصارى جهدنا لننجب ولداً يقلع عين أنسبائي ويخرسهم عن الشكوى والتذمّر, لكن أحدنا, غيري على الأقل, غير مؤهل لهذه المهمّة.. مرّت الشهور بطيئة من شدّة معاناتي من نظراتهم, وشعرتُ بها سريعة في انقضائها دون ولد, المشكلة الأكبر أن حماتي الثرثارة، نشرت بهمسها المستمر سرّي وهتكت خصوصيتنا, وصار كلّ خلق الله يعتقدون أني عقيم, عليها اللعنة وعلى سلالتها ألف لعنة, لقد أرسلوني للخارج بمهمة رسمية للعلاج والسياحة, ونجحنا في تحقيق أهدافنا السياحية والمادية من الرحلة, غير أن الأطباء الذين تكلموا معنا بكل اللغات عدا لغتنا, أكّدوا لنا ما كنا نعرفه من البداية.. رفلة عاقر, لكني لم أتجرأ على إخبار أحد بهذه الحقيقة, حتى والدتي المسكينة, قلت لها, أني مريض, عندي ضعف, وسأتعالج وأنجب لها وريثا لأمجاد جدّي- والدهاـ رحمه الله.. لأني لو أخبرت والدتي بأن رفلة عاقر, لفضحتني هي الأخرى بهمسها العابر للحارات والأزقة, ولشفت غلّها من تعالي أنسبائي المتواضعين عليها كما تدّعي. عمّي المعروف بإرادته الحديدية, لم يفقد الأمل, وانتحى بي جانبا بعد عودتي من مهمة العلاج: "عمي, لا تفقدوا الأمل بالله, نحن أخطأنا في إرسالكم للعلاج في الخارج.." خفق قلبي من شدة الخوف, هل سيرمون بي في الشارع وأفقد مجدي العظيم, وذهب ذهني في رحلة تخيّلت فيها شماتة الشامتين وسخريتهم مني, بعد أن يرموا بي في سلة مهملات التاريخ, وأفقد بطاقة عضويتي في نادي المجتمع المخملي, المشكلة أني تعوّدت على المخمل, بعد طول عشرة مع الكتان!.. لكنّ عمّي الرائع أيقظني من شرودي, بصوته الهادئ الرصين: "عمّي الحبيب, في قريتنا, حيث تعود جذور العائلة يوجد وليّ عظيم, عمره أكثر من ألف عام, في كل مرّة تدلَهمّ علينا الظروف.. نقصده, ولم يخب ظننا به يوما", وصدر الفرمان الحمَوي فورا, علينا أن نذهب إلى استراحة أهل زوجتي هناك, ثم نقصد الشيخ القائم على خدمة الضريح العظيم, وهو سيدلّنا على أفضل طريقة للعلاج. شعرت بتأييد الجميع لهذا القرار وحماسهم له, وتنفسوا الصعداء, وضربوا على رؤوسهم وصدورهم: " كيف نسينا الضريح !؟" وزاد الموقف من إعجاب كل أفراد العائلة الكبيرة بحكمة عمي وحنكته و فوق هذا.. إيمانه وتقواه وورعه !. في اليوم الأوّل, أرسلوا في طلب الشيخ متعب, رجل وقور مهيب الطلعة, استقبلنا بحفاوة واحترام بالغين, وشكر الله كثيرا لأنه ـ سبحانه تعالى ـ هدانا إلى طريق اليقين الصحيح بدلا من أن نترك أنفسنا ألعوبة في أيدي أطباء هذا الزمان, الذين لا يخافون الله, ويتدخلون فيما ليس من شأنهم, فيُخيّب اللهُ ـ جلّ جلاله ـ مساعيَهم العلاجيةَ الضالّة بالخذلان, ثم أضاف: "إنهم يتشاطرون في علاج ما لا يحتاج لعلاج, دمّلة, التهاب لوزات ليظهروا لنا عبقريتهم في علاج هذه الحالات, التي يسمونها مستعصية, أما أنهم..هه" توقف قليلا.. نظر إليّ بغرور وقال: لم يجلب لنا الأطباء غير المشاكل, قبل أربعين عام كان في مدينتا هذه طبيب واحد, وكانت شغلته هي كشّ الذباب, لم يكن أحد يقصده, لأنّ الناس كانت تؤمن بالله وبالأولياء الصالحين, كانوا يقصدوننا ولم نكن نخيّب ظنّهم.. الآن يوجد في مدينتنا ما يزيد عن خمس مئة طبيب, ولو قصدتَ واحدا منهم لن تجد لك مكانا في عيادته لاستقبالك, من شدّة الزّحام عليهم, ورغم هذا, الأمراض تزداد وتنتشر!!" في الحقيقة ثرثر كثيرا في هذا الموضوع وخلافه, كان مثل صنبور ماء فقد سكره, أعطاني محاضرات في كل أنواع العلوم الدينية والدنيوية, وحدثنا عن الماركسية, والقومية, والرأسمالية, وكانط وسان سيمون, وكذلك عن سان بوليفار, ولم يستوقفني من كلّ هذره إلا قصّة واحدة, ألا وهي قصّة عودته إلى حظيرة الإيمان, وسأرويها لكم بحذافيرها, وذلك لأهميتها الوثائقية والإنسانية, فقد قال: "هذا الرجل الجالس أمامك بعمامته وجبّته, كان مناضلاً شيوعياً (ابتسم بسخرية, وهو يتأمل ردّة فعلي, ثم تابع وقد أعجبته حيرتي الفجة) نعم يا دكتور, لقد كنت رفيقا من الرعيل الأول, وأرجو من الله أن يغفر لي, فلطالما أغويت الشباب من رفاقي في تلك الأيام بطريق الإلحاد والضلال". وعندما فتحت فمي لأسأله, رفع يده في وجهي: أعرف, من الطبيعي أن تستغرب, وسأحكي لك القصة بالتفصيل.. كنت من أنشط أعضاء المجموعة وأكثرهم قناعة, كنا نسميه هه إيمانا.. بالأفكار الماركسية, وصراع الطبقات, وهذا الكلام الغبي, وذات يوم كنا نجمع تبرعات لتعزيز قدرتنا على طبع ونشر أفكارنا من منشورات إلحادية هدّامة, وعندها كلفتُ.. هل تصدقون أني أنا الشيخ متعب الراضي, كلفتُ.. امتلأت عيناه بالدموع وانكسرت لهجته وهو يقول: ليغفر لي الله, لقد كلفتُ صديقي الرفيق أنس المجذوم, بأن يذهب ويسرق أثاث الضريح, لأبيعه أنا فيما بعد في السوق, كان أنس شيطانا من الشياطين, وفي ذلك اليوم, خسرت الحركة الاشتراكية في بلدنا أنسا والى الأبد.." صحت مقاطعا إياه: قبضوا عليه؟! نظر إليّ بقوة, هزّ رأسه, أخرج نخرة عنيفة من أنفه, وكأنه يطعن بها خصماً: أبداً يا دكتور, لقد تشوّه وجهه كلية, لقد أصابه الله بالجذام, في لحظة واحدة, عندما كان يجمع الأثاث من الضريح ليحزمه ويحمله, شعر بحكة في وجهه, حك وجهه عدة مرات, كانت الحكة تزداد, أخرج مرآة من جيبه, لينظر إن كان هناك حشرة أو أي شيء يسبب الحكة.. صدّقْ أو لا تصدقْ يا دكتور, لم يميّز وجهه في المرآة, نظر وكرر النظر.. أخذ يفتح عينيه ويغمضهما, يضع يده على وجهه ليتأكد إن كان وجهه هو الذي يراه في المرآة.." أخذ نفسا عميقا, نظر في الأفق, تناول كأس الماء وأفرغها كلّها في جوفه, ومن شدّة الإصغاء, تهيّأ لي أني سمعت قرقرة الماء في جوفه, لم ينطق أي من الحاضرين ببنت شفة, وانتظر الجميع بقية القصة, مع اعتقادي أن أنسبائي سمعوها ألف مرة قبلا, لكن أسلوب الشيخ متعب المشوق, يجعلك لا تملّ الإعادة, بعد استراحته القصيرة أكمل الشيخ: من يومها يا أستاذ, تبت إلى ربي, أرجو منه أن يقبل توبتي, وتفقهت في الدين, وعرفت كم هدرت من عمري في الضلال.." توقف ليصبّ كأسا ثانيا من الماء, فلم أطق الانتظار وسألته بلهفة وقد غلبني الطقس العام : وصديقك؟!.. رفيقك المجذوم ماذا حلّ به؟ " تقصد الشيخ أنس؟ ( وهو يبتسم) نعم يا دكتور هو أيضا صار شيخا عابدا زاهدا, لكنه للأسف لم يكشف وجهه بعدها أبدا, ومن هنا صار اسمه أنس المجذوم, لم ير ابن امرأة وجهه بعد ذلك اليوم, وهو يعيش في شارع الهداية, في المدينة, قناعه لم يفارق وجهه من تلك اللحظة إلى اليوم.. باستطاعتك أن تسأل عنه يا دكتور, إنّه معجزة حيّة, فلماذا لا نتعظ منها؟؟"... فعلا سألت عن أنس المجذوم, تقصياً للمعجزة الحية.. وأكّد كل الناس رواية الشيخ, وأضافوا عليها قصصا كثيرة, بعضها شبيه بقصة أنس وبعضها أشد غرابة وعجبا منها, اتفق الجميع من متعلمين وغير متعلمين على صدق الروايات وان كانوا يختلفون أحيانا في أسماء أبطالها, وتاريخ حدوث كل قصة منها. بالمجمل كان كل شيء يبشر بالخير, فقد أجمعت الروايات على أنه لم يقصد الضريح أحد قبلنا وعاد خائبا, فلم لا نتفاءل بالخير إن كنا سنجده؟!. مضى ثلاثة أيام على وصولنا للمزرعة, وأشرف الرابع على الانقضاء دون أن يوجّهنا أحد لما علينا فعله, فاستبدّ بي الفضول, وتجرأت وهمست لزوجتي أن تسأل أحدا من أهلها عن الأمر, قامت زوجتي بمهمتها وعادت إليّ سريعا وتباشير الفرح على وجهها, غدا صباحا, سيأتي الشيخ متعب ليعلّمنا أفضل وأقصر طريق لتحقيق أمنيتنا, ما عليك سوى الاسترخاء والنوم العميق بانتظار تعليمات الشيخ.. الجو في المزرعة لطيف وموح, في غرفة خصصوها لنا حاولت مداعبة زوجتي فنفرت مني مثل دبّ غليظ , ونهرتني : " إياك أن تلمسني أو تقترب مني, خزّن كل طاقاتك ليوم غدٍ, لقد تأخرنا في الإنجاب وآن الأوان" فناولتها ردّا سريعا: "وكيف يتم الحمل يا عزيزتي إذا.." قاطعتني بزأرة خشنة, ثم قالت: سيتم بتنفيذ توجيهات الشيخ وليس بفحولتك.. جربناك سنين طويلة, فانظر أين نحن؟ ثم غادرتني والغرفة اللئيمة تدور بي, تحملني من زاوية لترمي بي في زاوية أخرى. جربناك!.. قالت (جربناك) بصيغة الجمع, علما أن أحدا غيرها لم يجربني, إلا إذا كانت هي قد أطلعتهم على تجاربنا, واعتبرتهم شركاء متضامنين في التجربة! نظرت حولي, ماذا فعلت بنفسي, بعد كل العلم والثقافة التي بذل أهلي كل ما يملكون ليوصلوني إليها, ها أنا ذا, أداة طيّعة بيد الشيخ متعب!. ولكن لنكن صريحين وموضوعيين.. ماذا سأخسر إن أنا جربت؟ والله لقد فقدت ثقتي بالعلم وأهله, فما المانع أن أجرّب, بل يجب أن أجرّب ليس أمامي أيّ خيار آخر, ولا أريد.. تحمّلت الكثير من الذّلّ خلال السنوات الأخيرة ولن تميتني مذلّة أخرى.. ربّما غفوت وأنا أجترّ هذه الأفكار, وصحوت على رنين هاتفي الجوال, كان المدير المناوب في المستشفى على الخط: ـــ دكتور.. أرجوك يجب أن تأتي فورا.. حادث مروري كبير والضحايا بالعشرات ما بين جرحى وقتلى. "لا بد من الاستجابة" نهرني ضميري. أبلغني عمّي سابقا أنّ عليّ أن أتفرغ تماما لموضوع الإنجاب, لكن ماذا إذا لم تنجح المحاولة, منذ شهور وأنا أدير المستشفى عن بعد, بدعوى التفرّغ للمهمة العظيمة, وماذا بعد؟ أنا طبيب وأعرف أن المهمة لن تنجح, وعليّ متابعة عملي, أنا مدير أكبر مستشفى في المدينة, ويكفي ما ينقله لي جواسيسي, من تعليقات وأخبار, حتى الصحافة بدأت تلوكني وتتحدث عن الإهمال والمشاكل المتراكمة في المستشفى, سأضيّع نفسي من أجل مهمّة لن تتم, ما ذنب المرضى, بدأت أشعر بالصداع من صحوة ضميري المفاجئة التي انتابتني اليوم. طلبت من المدير المناوب أن يناولني مسكنا لحظة دخولي المستشفى, لحقني بالدواء.. بلعت الحبوب بسرعة, دخلت قسم الإسعاف, حشد كبير, ولغط أكبر, الصياح من كلّ الجهات ومن كلّ الأشخاص, مرضى وممرضون وأطباء, ورجال شرطة ومرافقين للمصابين وعمال النظافة والفنيين, كان الزحام شديدا وكأنه يوم الحشر, من بين الزحام والأصوات المتعالية من كل صوب, لفتني اسم واحد, أنس, رئيسة قسم الإسعاف كانت تنادي إحدى الممرضات المتدربات: ـــ أعطي الحقنة لأنس أيتها الغبية, أنس هو الرجل المرمي في الزاوية, الرجل الخمسيني, غدا نتحاسب أيتها المهملة.. التقت نظراتي بنظرات رئيسة القسم, التي بادرتني بصوتها الجهوري الذكوري الملامح: ـــ أرأيت يا دكتور يجب أن نحسم خمسة أيام من راتبها لتتعلم. سألتها:" أين المريض؟" شقّت الحشد بجسمها الخشبي التقاطيع, واتجهت نحوه, ثم وضعت يدها على كتف رجل ملثم: ـــ هذا هو, انهض يا أنس..انهض, وسلّم على المدير, لقد جاء شخصيا ليطمئن عليك. بدت محاولة فاشلة من المريض للنهوض, رجله مكسورة ولثامه مبلل بالدم. لست جرّاحا, أقصد أنني طبيب أمراض نساء, وليس لي علاقة مباشرة بالجروح والإصابات, إلا في نطاقها النسائي الضيق, لكن قصة الشيخ ولثام الرجل شغلاني عن كل ما حولي.. دفعني شيء غريب لا أعرف وصفه بدقة, لرفع اللثام عن وجه الرجل, لكن الأمر الغريب الذي فاجأني, أنه تمسك به, ورجاني ألا أرفعه, قلت له بحزم: "وجهك مجروح وعلينا أن نعرف مصدر النزف" رجاني ثانية: الدم سيتوقف من تلقاء نفسه, أرجوك لا تفضحني. تركته.. درت دورتين وكأني أشرف على عمليات الإسعاف الكثيرة, وكل انتباهي على الرجل, الذي اطمأن لانصرافي, ثم وقفت خلفه وقلت بصوت قدّرت أنه يسمعه رغم الزحام: "مجذوم" التفت الرجل باحثا عن مصدر الصوت.. أشرت لأحد الأطباء, انقله فورا إلى الغرفة الخاصة في قسم الجراحة العظمية, أشرف الطبيب وشارك في عملية نقل أنس إلى الغرفة المعنية, لقد صدق حدسي, إنه هو نفسه, بطل القصة التي يتناقلها الناس في قرية الجذور الدافئة لأنسبائي, يا الله ما أصغر عالمنا! في الغرفة الخاصة, أجرى الطبيب للمريض كل ما يلزم وترك ممرضا برفقته, لظنه أن المريض يعنيني, صدق استنتاج الطبيب, ومن يعنيني اليوم وفي ظروفي الراهنة أكثر من أنس, وأي أنس, أنس المجذوم.. لم يُفاجأ أنس حين فاتحته بقصته, بل أكد صدقها, لكنّي لم أصدقه, شيء ما في لهجته يوحي لي بأن الرجل يكذب, كنت أود سماع القصة منه لأتأكد من مصداقية الشيخ متعب, فركبتني حيرة أشد بعد أن أكد لي القصة بحرفيتها, شيء ما في داخلي كان يصرخ: "إنه يكذب" ولكن في جهة أخرى من داخلي لا أدري أفوق هي أم تحت كان شيء آخر يسأل: "ولماذا يكذب"؟! تركته وجلست في مكتبي لعدة دقائق, أجريت فيها بعض الاتصالات وتلقيت اتصالات أخرى, معظمها مرتبط بحادث اليوم المروري المروع, ورغم عدد الضحايا وعدد الإصابات والنقص في الإمكانات والتقصير الذي ظهر في المستشفى, إلا أن قصة أنس كانت هي شاغلي الرئيس, لم أتمكن من تجاوزها رغم محاولاتي الجادة! قمت مهرولا باتجاه غرفة أنس, وعندما فتحت الباب ودخلت, انتبهت أن المدير المناوب كان يلحقني ليكون في الخدمة, صرفته بأدب, فأنا الآن في شغل عن تمسيح الجوخ.. كان اللثام ما يزال مشدودا على وجه أنس, قلت له مباشرة وبلهجة آمرة: "ارفع اللثام عن وجهك" وبعينين حادتين ونبرة لا تقل حدة قال لي: أشكرك يا دكتور لأنك خصصت لي هذه الغرفة الخاصة, لكنه لا يحقّ لك غصبي على رفع اللثام, واذا ألححت عليّ فسأغادر المستشفى, إلى أي مستشفى خاص.. ثم وبلهجة أرق: والله يعينني على المصاريف. لن تنفعه حدّته ولا رقّته, لقد قررت أن أعرف وعليه أن يعترف: " اسمع يا أنس المجذوم, أنا هنا السيد المطلق الصلاحيات, ولو أمرتهم بتشريحك لفعلوا, في قصّتك لغز وعليك أن تخبرني به, ولو كلفني الأمر ما كلف, فلن أتركك دون أن أعرف". حاول التملص, وبكى, وكما قلت له لن ينفعه شيء إلا أن يرفع كل أقنعته, الداخلية والخارجية, وبعد صبر طويل مني ومعاندة شديدة منه, أخذ يفك لثامه وكأنه يرفع شرائح من جلده, وبعد تلكؤ ومماطلة تمكنت من رؤية معظم وجهه, وصعقني ما رأيت, ولم أصبر عليه, ودون توقع منه, أمسكت بطرف اللثام ونزعته كله مرة واحدة: "ويحك ما هذا؟! ويلك ما الذي كنت تخفيه؟!" كدت أنفجر من الغيظ والمفاجأة معا, كان وجهه أكثر صفاء ونقاء من وجه أي رجل في مثل سنه, لم أعد أحتمل وأمطرته بالتساؤلات, وربما لم يجبني لأني لم أعطه فرصة حتى ليسترد أنفاسه.. لاحظتُ ذلك, فحاولت أن أهدأ, جلست على كرسي قبالته, وأخذت أحدق فيه, وكانت عيناي تقصفانه بنظرات أقسى من أسئلتي السابقة. ثمّ.. ثمّ ساد الصمت بيننا لدقائق, كان ينظر في الجدار المقابل وأحيانا ينظر في السقف وهو يحكي قصّته: ـــ منذ ثلاثين عاما أصابني مرض جلدي, مثل الذي تسمونه اليوم حبّ الشباب, وكنت قبلها أكثر الشباب وسامة, بل كنت محط غيرتهم وحسدهم بسبب وسامتي المفرطة, شكّل مرضي صدمة شديدة لي, وانقطعت عن الناس, وتركت الدراسة لفترة طويلة, لكن وضعي لم يتحسن رغم مراجعة كلّ الأطباء في ذلك الزمن, حاول والداي أن يقنعاني بالعودة لدراستي وأصدقائي وحياتي الطبيعية, لكني رفضت, وذات يوم مرض أبي وكاد يموت, وأخذت أمي تولول وتبكي, وكان لا بدّ لي من إحضار الطبيب, وضعت خمارا على وجهي- كهذا- وانطلقت في طلب الطبيب, ومن هنا جاءت فكرة اللثام, وضعت اللثام لعدة سنوات, والبثور تخفّ فترة وتزيد فترة. "وما قصة الحزب الشيوعي والشيخ متعب؟" ـــ حدث في ذلك الحين أن توفي والد الشيخ متعب, وكان رجلا تقيا ورعا, وعلى خلاف شديد مع ولده متعب, الشاب الفاسق الماجن, وكان قد كتب في وصيته بحرمان ولده متعب من كل أملاكه إذا بقي على ضلاله, متعب باع كل مبادئه وأفكار الثورة, من أجل ثروة أبيه, وتولى المشروع الفقهي في البلدة, وتحول بين ليلة وضحاها إلى الشيخ التقي الورع! "وأنت؟ " ـــ سأوضح لك كل ما عندي, متعب الكذاب, أقصد في ذلك الوقت, لم يجد ما يبرر انقلابه المفاجئ سوى اختلاق قصة سرقتي للضريح, والله يعلم أنه لم يكن صديقي إطلاقا, ولم أكن من رفاقه أبدا لا في الحزب ولا في الحارة. "ولماذا لم تكذّب القصة وتكشف عن وجهك؟" ـــ في البداية كنت أستحي من إظهار وجهي تحت أي ظرف ولو لأي سبب, وفيما بعد, وبعد أن شاعت القصة التي اختلقها متعب, وجدت أن كثيرين من الضالين, يهتدون إلى جادة الإيمان بسبب قصتي, فأي أجر أعظم من هذا, لقد تسبب قناعي هذا يا دكتور في إقناع الآلاف بالعودة إلى جادة الصواب, فاسترني تكسب أجرا كأجري! "لكنك يا رجل ألزمت نفسك أن تعيش حياتك محروما من أهم ما منحك الله, لقد عشت من غير وجه, عشت بقناع.. قناع لبسته أكثر من ثلاثين عاما.." نظر إلي نظرة غريبة, وقال لي وهو يرسم ابتسامة رائعة على وجهه: ـــ وماذا عن قناعك أنت يا دكتور؟ كم ستحتفظ به, هل يكفيك ثلاث سنوات؟ أم أنك مثلي ستستمرئ الموضوع وتحفظه على وجهك ثلاثين عاما أخرى؟!

عرض للكتاب: 


أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <p>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أخرى عن خيارات التنسيق

التعليقات

Recent Comments

Top Commenters