جيران العالم: مختارات من شعر ريتسوس
بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لولادته وفي احتفالية سكندرية
إطلاق الترجمة الأولى لـ ريتسوس من اليونانية الى العربية في متحف كافافيس
في متحف كافافيس بالاسكندرية أقامت الجمعية اليونانية في الاسكندرية اليوم الخميس 19-11- 2009 احتفالية بمناسبة مرور مائة عام على ولادة ريتسوس، حضرها جمهور سكندري من عرب ويونان مقيمين في الاسكندرية ممن غص بهم بيت كافافيس.
الاحتفالية قدمها مانولي مارانغوليس رئيس الجمعية اليونانية بالاسكندرية وتضمنت كلمة للشاعر المصري رفعت سلام تحدث فيها عن تأثر بعض الشعراء العرب بريتسوس؛ ثم تلا ذلك قراءة من أشعار ريتسوس التي ترجمها رفعت سلام من الانكليزية.
بعد ذلك قدم رئيس الجمعية اليونانية الترجمة الجديدة لريتسوس الصادرة عن دار جدار بعنوان « جيران العالم » والتي قام بها المترجم خالد رؤوف مشيراً إلى أنها الترجمة الأولى لريتسوس من اليونانية الى العربية مباشرة ومخاطباً الحضور أن هذه الترجمة صدرت اليوم. وقدم المترجم الذي قرأ مقدمة ترجمته متحدثا فيها عن منهجه في الترجمة؛ الذي توخى فيه أن يكون مخلصاً لأفكار ومعاني الشاعر، محاولاً نقل اسلوبية ريتسوس نفسها؛ في الكتابة الشعرية، الى العربية متوخياً أن تولّد استجابة مشابهة في ذهن قارئ النص المُترجَم لتلك الموجودة في ذهن القارئ من اللغة الأصلية.
منهيا كلمته بتقديم ناشر جدار خلف علي الخلف الذي تحدث بإيجاز عن الترجمة شاكرا المترجم بقصيدة ريتسوس «كلمة شكر».
قرأ بعدها اثنان من المشاركين (عربية – ويوناني سكندري) مقتطفات من قصيدة روميوسيني باليونانية، وأكمل قرائتها مانولي مارانغوليس؛ بعد ذلك تناوب على قرائتها بالعربية الشاعر خلف علي الخلف والمترجم خالد رؤوف من ترجمته الصادرة حديثا. ثم قرأت سيدتان يونانيتان قصيدة المراثي باليونانية وقرأتها أميمية عبد الشافي وايمان عبد الحميد بالعربية من ترجمة خالد رؤوف.
وفي ختام الاحتفالية استمع الحضور الى صوت ريتسوس يقرأ قصائد من شعره. واختتمت الاحتفالية يتوقيع المترجم خالد روؤف على نسخ من كتابه الجديد.
يانيس ريتسوس: سيرة ذاتية
1909- 1934
ولد في أول يناير في مونوفاسيا. كانت عائلته تنتمي لأكبر عوائل الإقطاعيّين في المنطقة، انهارت أقتصادياً بعد سنوات قليلة من ولادته، والأسوأ من هذا أنّ العائلة غرقت في حزن شديد.
في عام 1921 مات الأخ الأكبر - ضابط البحرية – بداء السُّل، وكذلك الأم التي كانت الأقرب إليه.
تعتبر قصيدة «بيت ميت» هي البصمة الأهم في حياته وأعماله. و قد نُشرت أولى قصائده في عام 1924 تحت اسم مستعار هو: «العطر المثالي».
في عام 1925 استقر في أثينا، حيث عملَ في الطباعة ونسخ العقود على الآلة الكاتبة. في العام التالي أصيب هو الآخر بداء السُّل.
قُسّمت حياة ريتسوس بين المصحات والأعمال البسيطة المختلفة بعائد زهيد (ممثل، راقص، مصحّح ومراجع للنصوص).
في مصحة سوتيريا التقى بأعضاء الحزب اليوناني الشيوعي واعتنق الماركسية.
و قد عبّرت قصيدة « الرؤية المثالية» عن رؤيته الاجتماعية آنذاك.
1934 - 1936
استخدم ريتسوس أبياتاً تراثية كما في ديوان تراكتور (جرارات) 1934 والأهرامات 1935؛ حيث عبّر فيها عن توجهاته الجديدة في الشعر محاولاً تصوير ذلك التمزّق المؤلم.
في مايو 1936 أوحى لهُ القمع الدامي لمظاهرة عمال مصانع الدخان المضربين بقصيدة «المراثي»، هذه البكائية لأم أمام جسد ابنِها المقتول، والتي تتحوّل إلى اعتراض اجتماعي ثم تُحرقُ نسخٌ منها مع كتب أخرى على يد ديكتاتورية 4 أغسطس في طقس خاص أمام أعمدة زيوس الأوليمبية في اليونان.
1937 - 1943
هي فترة الانفجار الغنائي لدى ريتسوس و تحديداً في عام 1937؛ يتأثّر بمرض أخته لولا النفسي، الذي قادها إلى مصح الأمراض النفسية والعصبية (تواجد به الأب أيضًا منذ عام 1932)، فكتب أغنية «أختي» وهي القصيدة التي تحمل « البرهان » من بالاماس المسن (شيخ شعراء اليونان) الذي قال: «إنّنا ننحني كي تمرّ أيّها الشّاعر».
في عام 1938 جاءت قصيدة «اتّفاق ربيعي» لتعالج الجروح أمام معجزة الحبّ الأول. و في عام 1940 كتب «في مسيرة المحيط» عن حلم السفر الكبير الذي يتغذّى بذكريات صخرة مونوفاسيا.
أمّا في عام 1943 فقد جاءت قصيدة "إيقاع المطر" لتعبّر عن الموسيقى الواضحة التي تعقب الإيقاع الأساسي في موسيقى الرقص القومي البولندي حيث ظهرت بالتدريج إشارات رمزية عن واقع ظلمة الاحتلال.
1944 - 1953:
طوال فترة الاحتلال كان الشاعر طريح الفراش بسبب وطأة المرض. يشارك في القسم الفني لجبهة التحرير القومية بالكثير من كتاباته التي كان من بينها رواية طويلة فُقدت في أحداث سبتمبر و الحرب الأهلية وقتذاك.
في عام 1948 نُفيَ ريتسوس إلى جزيرة ليمنوس، وعاش في عام 1949 في ماكرونيسوس، وفي عام 1950 في ستراتيس حتى أُطلق سراحة في عام 1952.
مع قصيدة «المائة عام الأخيرة قبل تاريخ الإنسانية» - 1942 والتي كُتبت في نفس الوقت مع قصيدة «التجربة» بدأت مرحلة جديدة غطت تلك السنين الصعبة في حياة الشاعر. وهي قصائد موجهة تقريباً و حصرياً لقضايا النضال والمنفى، وإنْ بدت تختلف في الشكل إلا أنها ارتبطت فيما بينها وتماسّت مع التجربة التاريخية الحديثة.
مجتمع الألم سيُعبَّر عنه بشكل قروي (ثلاث سنوات، 1944 ـ47). ملحمة الثورة ستحيا في العمل المزدوج «روميوسيني» (الروح اليونانية) وسيدة الكروم (1945 -47). في «الزمن الحجري» (1949)، تتعرّى الكلمة وتصير صرخة تصعد من جحيم ماكرونيسوس. تكثيف، اعتراف في مذاكرات المنفى المتقشفة. في نفس الوقت قصيدة نهر من الأبيات (5.500) بيت شعري، «جيران العالم» (1949-1951)، «تأريخ» لفترة الأربعينيات مع مراحل بينية كثيرة، ثمّ تكتمل الحلقة مع قصيدة «ولاية عاصية» (1952-1953)؛ إدراك عميق لهزيمة اليسار مع عودة باهتة لأثينا المخدّرة. محاولة لإعادة تنظيم النضال مع استعادة الآمال الضائعة.
1954-1967:
تزوّج ريتسوس في عام 1954 بالطّبيبة غاريفاليو يورغياذو. و اُعتُبِرت السنوات التالية فاصلاً من السلام والصفاء في محيط بيته حتّى ولادة ابنته إري التي ألهمتهُ قصيدة «بهجة نجم الصباح».
حملتْ فترة عام 1955 ثماراً جديدة حيث هيّأت له الظروف الطبيعية نوعاً من السلام الداخلي الذي نتج عنه إطلاق نصوصٍ ثريّة، و هي المرحلة التي تُعدُّ ذروة الشعر المعاصر لما فيها من إلهام وتعبير جديديْنِ و ابتكار طُرق في الشعر و في العمل الكلاسيكي حيث أصدر ديوان "البعد الرابع" و الذي اُعتُبِرت «سوناتا على ضوء القمر» (الحاصلة على جائزة الشعر القومية عام 1956) أهمّ قصائده.
في هذه القصائد الطِوال ـ أكثرها مونولوجات درامية ـ كان ريتسوس يرتدي فيها أقنعة معاصرة أو أسطورية و يغزو بعمق بئر الروح والضمير، يتحدث عن العزلة، فقدان الحب، شيخوخة الجسد والأشياء في (سوناتة في ضوء القمر 1956، البيت الميت، 1959. تحت ظل الجبل 1960).
في قصيدة ـ مونولوج يوضح ريتسوس قيمة الحياة البسيطة حيث تكتمل المعجزة و ينزع قناع الذنب عن الشخص العادي (اللاّ بَطل).
أمّا في قصيدة (إسميني 1972) فيقوم بتشريح صدامات الضمير للفرد في المجتمع (أوريست، 1966 - فيلوكتيتس 1965). ثم يعيدُ ترتيب الزمن بقوة في تاريخ وذاكرة الفرد الشخصية (عندما يأتي الغريب، 1958).
في نفس الوقت الذي كتب به ريتسوس «البعد الرابع» نظم بانتظام قصائد قصيرة توضح وتكثف المونولوجات الطويلة بنعومة وغالباً بغموضٍ ما يدوّن بصوتٍ خفيضٍ الإيماءات القليلةَ، الصدمات الروحيةَ، يثبت العابر ويكرّس في شعره الحياة اليومية حيث يتحدّث إلى الناس والأشياء (الأثاث، الأواني، أدوات العمل)؛ هذه الأشياء «البسيطة، المحسوسة، الساكنة، هذه الرواسب الصغيرة للأعمال الإنسانية»كما يقول هو في تعليقه على قصيدة«الشهادات» (1963- 1966).
1967-1972:
بعد الانقلاب العسكري مباشرة 1967، يُنفى ريتسوس مرّة أخرى إلى (غافروس - ليروس) ثم يُوضع رهنَ الإقامة الجبرية في منزله بجزيرة ساموس حتّى نهاية عام 1970. في نفس الوقت يواجه الموت (يوضع في مستشفى «أجيوس سافاس» تحت الحراسة). و من ناحية أخرى يصاب بالإحباط نتيجة حلّ الحزب الشيوعي اليوناني واحتلال تشيكوسلوفاكيا. إنّما تلك السّنوات السبع المظلمات سيكُنّ فترة إنجاز كثيفة؛ حيث يحصل على كم من الجوائز والتكريمات في الخارج مثل ترجمة قصائده للغات عديدة شهدت على أهمية أعماله عالميًّا.
في عام (1968) تصدر الثلاثية: أحجار، إعادات، الحاجز الحديدي بلغتين في فرنسا، تعبيراً عن المرارة وشعور «اليُتم»، بعد توابع الأزمة في الدول الاشتراكيّة دون أن يغيب نبض المقاومة، كما في المزامير، اختفاء ميلوس (1971)، أو ثماني عشرة أغنية للوطن المرير (1973)، حيث كان الجسد الأساسي لهذه القصائد مشبعًا بإحساس اللاجدوى والموت. أمّا في دواوين مثل «الحائط في المرآة» (1974)، ممر ودرج (1973)، كتابة أعمى (1979) يدخل ريتسوس عالم «كابوس يومي وليلي»؛ عالمًا مُحطّمًا، مُشوّهًا، مُصابًا بجنون العظمة.
لكن في مونولوجات البعد الرابع (1972) مثل أجاممنون، خريسوثيميس، هيلين، عودة إيفجينيا، يتحول مركز الثقل إلى الحقل الوجودي. حيث ساعة الاعتراف: حرب طروادة، تضحية إيفيجينيا، أعراف قتل الأم و التي تطرح الآن سؤالاً بلا إجابة: لماذا؟
أما في فترة الديكتاتورية العسكرية فستُسمع ألحانٌ تخلد ثمار إبداعه، كانت دليلاً على يقظة، وإرادة الشاعر المتمرد.
1972-1983:
غراغاندا (1973) وبرج الأجراس (1974)؛ تقدّس تلك القصائد انتفاضة الطلاب في البوليتخنيو (مجمع العلوم)، لكنّها تفتتح أساليب تعبير جديدة بعد الكتابة السورياليّة التعبيرية، حيث تولد بلغة شعبية ملغومة ومزدوجة في عالم سائل، تكون فيه الناس، الحيوانات، أشياء تتحاور بتمرد و بلا التزامات: «... كلام متقابل، استجابات، إبعادات، سوء فهم، عشوائية وأكثر من ذلك ـ مونولوجات ـ كلام غير مترابط، تافه، باحث، بلا إجابة، ضروري...» [كما عبّر في أحد تعليقاته].
ثم ينتشر عالمٌ غريبٌ مثل النمل في خيال الشاعر الذي لا ينضب - ربما كان هذا ما يعنيه عنوان «الخلق» في [مُجلّد كبير نُشر عام 1977]، تتجلّى فيه علاقة «الكونية» مع ما سبق.
أمّا جولات النصر فتأتي أيضًا في مُجلّد كبير يحتوي على مجموعات شعرية من عام 1978 حتى 1983، يستعيد الشاعر فيها ذكريات حدثت في المستقبل و تصوّرات حدسية لريتسوس الناضج الذي يستثمر كل محتوى شاعريته وغنائيته الكبيرة مرة أخرى في الرهان التاريخي. بعد ذلك تصدر مجموعة نثرية تُعدّ امتداداً للشعر و هي «إطار أيقونات قديسين غير معروفين» (1983-1996)، تتحدث عن تجارب شخصية واجتماعية وقصص حب متخيّلة.
مات يانيس ريتسوس في الحادي عشر من نوفمبر 1991، تاركاً وراءه خمسين مجموعة شعرية لم تُنشر.
بعدها صدرت لهُ مجموعاتٌ شعريةٌ تحت عنوان: «متأخّراً، متأخّراً جداً في منتصف الليل» (1991) كانت بمثابة التلويحة الأخيرة التي لا تكذب معها طموحاته، إذ ينظر فيها إلى الموت مباشرة ويسكب آخر لحظات كلامه.
«طعم عميق للنهاية يسبق بداية القصيدة».
خريسا بروكوباكي
يانيس ريتسوس شاعر التمرد والحرية ورمز النضال ..أول ترجمة عربية تصدر له مباشرة من اليونانية
باسم توفيق
أضف تعليقاً