،

جيران العالم: مختارات من شعر ريتسوس

مؤلف الكتاب: 
يانيس ريتسوس
المترجم: 
خالد رؤوف
نوع الكتاب:
شعر
دار النشر: 
جدار للثقافة والنشر
تاريخ النشر: 
2010
مكان النشر: 
الاسكندرية - مصر
نبذة عن الكتاب:

بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لولادته وفي احتفالية سكندرية

إطلاق الترجمة الأولى لـ ريتسوس من اليونانية الى العربية في متحف كافافيس

 

في متحف كافافيس بالاسكندرية أقامت الجمعية اليونانية في الاسكندرية اليوم الخميس 19-11- 2009 احتفالية بمناسبة مرور مائة عام على ولادة ريتسوس، حضرها جمهور سكندري من عرب ويونان مقيمين في الاسكندرية ممن غص بهم بيت كافافيس.
الاحتفالية قدمها مانولي مارانغوليس رئيس الجمعية اليونانية بالاسكندرية وتضمنت كلمة للشاعر المصري رفعت سلام تحدث فيها عن تأثر بعض الشعراء العرب بريتسوس؛ ثم تلا ذلك قراءة من أشعار ريتسوس التي ترجمها رفعت سلام من الانكليزية.

بعد ذلك قدم رئيس الجمعية اليونانية الترجمة الجديدة لريتسوس الصادرة عن دار جدار بعنوان « جيران العالم » والتي قام بها المترجم خالد رؤوف مشيراً إلى أنها الترجمة الأولى لريتسوس من اليونانية الى العربية مباشرة ومخاطباً الحضور أن هذه الترجمة صدرت اليوم. وقدم المترجم الذي قرأ مقدمة ترجمته متحدثا فيها عن منهجه في الترجمة؛ الذي توخى فيه أن يكون مخلصاً لأفكار ومعاني الشاعر، محاولاً نقل اسلوبية ريتسوس نفسها؛ في الكتابة الشعرية، الى العربية متوخياً أن تولّد استجابة مشابهة في ذهن قارئ النص المُترجَم لتلك الموجودة في ذهن القارئ من اللغة الأصلية.

 
منهيا كلمته بتقديم ناشر جدار خلف علي الخلف الذي تحدث بإيجاز عن الترجمة شاكرا المترجم بقصيدة ريتسوس «كلمة شكر».


قرأ بعدها اثنان من المشاركين (عربية – ويوناني سكندري) مقتطفات من قصيدة روميوسيني باليونانية، وأكمل قرائتها مانولي مارانغوليس؛ بعد ذلك تناوب على قرائتها بالعربية الشاعر خلف علي الخلف والمترجم خالد رؤوف من ترجمته الصادرة حديثا. ثم قرأت سيدتان يونانيتان قصيدة المراثي باليونانية وقرأتها أميمية عبد الشافي وايمان عبد الحميد بالعربية من ترجمة خالد رؤوف.


وفي ختام الاحتفالية استمع الحضور الى صوت ريتسوس يقرأ قصائد من شعره. واختتمت الاحتفالية يتوقيع المترجم خالد روؤف على نسخ من كتابه الجديد.

فصل من الكتاب: 

يانيس ريتسوس: سيرة ذاتية

1909- 1934
ولد في أول يناير في مونوفاسيا. كانت عائلته تنتمي لأكبر عوائل الإقطاعيّين في المنطقة، انهارت أقتصادياً بعد سنوات قليلة من ولادته، والأسوأ من هذا أنّ العائلة غرقت في حزن شديد.
في عام 1921 مات الأخ الأكبر - ضابط البحرية – بداء السُّل، وكذلك الأم التي كانت الأقرب إليه.
تعتبر قصيدة «بيت ميت» هي البصمة الأهم في حياته وأعماله. و قد نُشرت أولى قصائده في عام 1924 تحت اسم مستعار هو: «العطر المثالي».
في عام 1925 استقر في أثينا، حيث عملَ في الطباعة ونسخ العقود على الآلة الكاتبة. في العام التالي أصيب هو الآخر بداء السُّل.
قُسّمت حياة ريتسوس بين المصحات والأعمال البسيطة المختلفة بعائد زهيد (ممثل، راقص، مصحّح ومراجع للنصوص).
في مصحة سوتيريا التقى بأعضاء الحزب اليوناني الشيوعي واعتنق الماركسية.
و قد عبّرت قصيدة « الرؤية المثالية» عن رؤيته الاجتماعية آنذاك.

1934 - 1936
استخدم ريتسوس أبياتاً تراثية كما في ديوان تراكتور (جرارات) 1934 والأهرامات 1935؛ حيث عبّر فيها عن توجهاته الجديدة في الشعر محاولاً تصوير ذلك التمزّق المؤلم.
في مايو 1936 أوحى لهُ القمع الدامي لمظاهرة عمال مصانع الدخان المضربين بقصيدة «المراثي»، هذه البكائية لأم أمام جسد ابنِها المقتول، والتي تتحوّل إلى اعتراض اجتماعي ثم تُحرقُ نسخٌ منها مع كتب أخرى على يد ديكتاتورية 4 أغسطس في طقس خاص أمام أعمدة زيوس الأوليمبية في اليونان.

1937 - 1943
هي فترة الانفجار الغنائي لدى ريتسوس و تحديداً في عام 1937؛ يتأثّر بمرض أخته لولا النفسي، الذي قادها إلى مصح الأمراض النفسية والعصبية (تواجد به الأب أيضًا منذ عام 1932)، فكتب أغنية «أختي» وهي القصيدة التي تحمل « البرهان » من بالاماس المسن (شيخ شعراء اليونان) الذي قال: «إنّنا ننحني كي تمرّ أيّها الشّاعر».

في عام 1938 جاءت قصيدة «اتّفاق ربيعي» لتعالج الجروح أمام معجزة الحبّ الأول. و في عام 1940 كتب «في مسيرة المحيط» عن حلم السفر الكبير الذي يتغذّى بذكريات صخرة مونوفاسيا.
أمّا في عام 1943 فقد جاءت قصيدة "إيقاع المطر" لتعبّر عن الموسيقى الواضحة التي تعقب الإيقاع الأساسي في موسيقى الرقص القومي البولندي حيث ظهرت بالتدريج إشارات رمزية عن واقع ظلمة الاحتلال.

1944 - 1953:
طوال فترة الاحتلال كان الشاعر طريح الفراش بسبب وطأة المرض. يشارك في القسم الفني لجبهة التحرير القومية بالكثير من كتاباته التي كان من بينها رواية طويلة فُقدت في أحداث سبتمبر و الحرب الأهلية وقتذاك.

في عام 1948 نُفيَ ريتسوس إلى جزيرة ليمنوس، وعاش في عام 1949 في ماكرونيسوس، وفي عام 1950 في ستراتيس حتى أُطلق سراحة في عام 1952.
مع قصيدة «المائة عام الأخيرة قبل تاريخ الإنسانية» - 1942 والتي كُتبت في نفس الوقت مع قصيدة «التجربة» بدأت مرحلة جديدة غطت تلك السنين الصعبة في حياة الشاعر. وهي قصائد موجهة تقريباً و حصرياً لقضايا النضال والمنفى، وإنْ بدت تختلف في الشكل إلا أنها ارتبطت فيما بينها وتماسّت مع التجربة التاريخية الحديثة.
مجتمع الألم سيُعبَّر عنه بشكل قروي (ثلاث سنوات، 1944 ـ47). ملحمة الثورة ستحيا في العمل المزدوج «روميوسيني» (الروح اليونانية) وسيدة الكروم (1945 -47). في «الزمن الحجري» (1949)، تتعرّى الكلمة وتصير صرخة تصعد من جحيم ماكرونيسوس. تكثيف، اعتراف في مذاكرات المنفى المتقشفة. في نفس الوقت قصيدة نهر من الأبيات (5.500) بيت شعري، «جيران العالم» (1949-1951)، «تأريخ» لفترة الأربعينيات مع مراحل بينية كثيرة، ثمّ تكتمل الحلقة مع قصيدة «ولاية عاصية» (1952-1953)؛ إدراك عميق لهزيمة اليسار مع عودة باهتة لأثينا المخدّرة. محاولة لإعادة تنظيم النضال مع استعادة الآمال الضائعة.

1954-1967:
تزوّج ريتسوس في عام 1954 بالطّبيبة غاريفاليو يورغياذو. و اُعتُبِرت السنوات التالية فاصلاً من السلام والصفاء في محيط بيته حتّى ولادة ابنته إري التي ألهمتهُ قصيدة «بهجة نجم الصباح».
حملتْ فترة عام 1955 ثماراً جديدة حيث هيّأت له الظروف الطبيعية نوعاً من السلام الداخلي الذي نتج عنه إطلاق نصوصٍ ثريّة، و هي المرحلة التي تُعدُّ ذروة الشعر المعاصر لما فيها من إلهام وتعبير جديديْنِ و ابتكار طُرق في الشعر و في العمل الكلاسيكي حيث أصدر ديوان "البعد الرابع" و الذي اُعتُبِرت «سوناتا على ضوء القمر» (الحاصلة على جائزة الشعر القومية عام 1956) أهمّ قصائده.
في هذه القصائد الطِوال ـ أكثرها مونولوجات درامية ـ كان ريتسوس يرتدي فيها أقنعة معاصرة أو أسطورية و يغزو بعمق بئر الروح والضمير، يتحدث عن العزلة، فقدان الحب، شيخوخة الجسد والأشياء في (سوناتة في ضوء القمر 1956، البيت الميت، 1959. تحت ظل الجبل 1960).
في قصيدة ـ مونولوج يوضح ريتسوس قيمة الحياة البسيطة حيث تكتمل المعجزة و ينزع قناع الذنب عن الشخص العادي (اللاّ بَطل).
أمّا في قصيدة (إسميني 1972) فيقوم بتشريح صدامات الضمير للفرد في المجتمع (أوريست، 1966 - فيلوكتيتس 1965). ثم يعيدُ ترتيب الزمن بقوة في تاريخ وذاكرة الفرد الشخصية (عندما يأتي الغريب، 1958).

في نفس الوقت الذي كتب به ريتسوس «البعد الرابع» نظم بانتظام قصائد قصيرة توضح وتكثف المونولوجات الطويلة بنعومة وغالباً بغموضٍ ما يدوّن بصوتٍ خفيضٍ الإيماءات القليلةَ، الصدمات الروحيةَ، يثبت العابر ويكرّس في شعره الحياة اليومية حيث يتحدّث إلى الناس والأشياء (الأثاث، الأواني، أدوات العمل)؛ هذه الأشياء «البسيطة، المحسوسة، الساكنة، هذه الرواسب الصغيرة للأعمال الإنسانية»كما يقول هو في تعليقه على قصيدة«الشهادات» (1963- 1966).

1967-1972:
بعد الانقلاب العسكري مباشرة 1967، يُنفى ريتسوس مرّة أخرى إلى (غافروس - ليروس) ثم يُوضع رهنَ الإقامة الجبرية في منزله بجزيرة ساموس حتّى نهاية عام 1970. في نفس الوقت يواجه الموت (يوضع في مستشفى «أجيوس سافاس» تحت الحراسة). و من ناحية أخرى يصاب بالإحباط نتيجة حلّ الحزب الشيوعي اليوناني واحتلال تشيكوسلوفاكيا. إنّما تلك السّنوات السبع المظلمات سيكُنّ فترة إنجاز كثيفة؛ حيث يحصل على كم من الجوائز والتكريمات في الخارج مثل ترجمة قصائده للغات عديدة شهدت على أهمية أعماله عالميًّا.

في عام (1968) تصدر الثلاثية: أحجار، إعادات، الحاجز الحديدي بلغتين في فرنسا، تعبيراً عن المرارة وشعور «اليُتم»، بعد توابع الأزمة في الدول الاشتراكيّة دون أن يغيب نبض المقاومة، كما في المزامير، اختفاء ميلوس (1971)، أو ثماني عشرة أغنية للوطن المرير (1973)، حيث كان الجسد الأساسي لهذه القصائد مشبعًا بإحساس اللاجدوى والموت. أمّا في دواوين مثل «الحائط في المرآة» (1974)، ممر ودرج (1973)، كتابة أعمى (1979) يدخل ريتسوس عالم «كابوس يومي وليلي»؛ عالمًا مُحطّمًا، مُشوّهًا، مُصابًا بجنون العظمة.
لكن في مونولوجات البعد الرابع (1972) مثل أجاممنون، خريسوثيميس، هيلين، عودة إيفجينيا، يتحول مركز الثقل إلى الحقل الوجودي. حيث ساعة الاعتراف: حرب طروادة، تضحية إيفيجينيا، أعراف قتل الأم و التي تطرح الآن سؤالاً بلا إجابة: لماذا؟

أما في فترة الديكتاتورية العسكرية فستُسمع ألحانٌ تخلد ثمار إبداعه، كانت دليلاً على يقظة، وإرادة الشاعر المتمرد.

1972-1983:
غراغاندا (1973) وبرج الأجراس (1974)؛ تقدّس تلك القصائد انتفاضة الطلاب في البوليتخنيو (مجمع العلوم)، لكنّها تفتتح أساليب تعبير جديدة بعد الكتابة السورياليّة التعبيرية، حيث تولد بلغة شعبية ملغومة ومزدوجة في عالم سائل، تكون فيه الناس، الحيوانات، أشياء تتحاور بتمرد و بلا التزامات: «... كلام متقابل، استجابات، إبعادات، سوء فهم، عشوائية وأكثر من ذلك ـ مونولوجات ـ كلام غير مترابط، تافه، باحث، بلا إجابة، ضروري...» [كما عبّر في أحد تعليقاته].
ثم ينتشر عالمٌ غريبٌ مثل النمل في خيال الشاعر الذي لا ينضب - ربما كان هذا ما يعنيه عنوان «الخلق» في [مُجلّد كبير نُشر عام 1977]، تتجلّى فيه علاقة «الكونية» مع ما سبق.
أمّا جولات النصر فتأتي أيضًا في مُجلّد كبير يحتوي على مجموعات شعرية من عام 1978 حتى 1983، يستعيد الشاعر فيها ذكريات حدثت في المستقبل و تصوّرات حدسية لريتسوس الناضج الذي يستثمر كل محتوى شاعريته وغنائيته الكبيرة مرة أخرى في الرهان التاريخي. بعد ذلك تصدر مجموعة نثرية تُعدّ امتداداً للشعر و هي «إطار أيقونات قديسين غير معروفين» (1983-1996)، تتحدث عن تجارب شخصية واجتماعية وقصص حب متخيّلة.
مات يانيس ريتسوس في الحادي عشر من نوفمبر 1991، تاركاً وراءه خمسين مجموعة شعرية لم تُنشر.
بعدها صدرت لهُ مجموعاتٌ شعريةٌ تحت عنوان: «متأخّراً، متأخّراً جداً في منتصف الليل» (1991) كانت بمثابة التلويحة الأخيرة التي لا تكذب معها طموحاته، إذ ينظر فيها إلى الموت مباشرة ويسكب آخر لحظات كلامه.
«طعم عميق للنهاية يسبق بداية القصيدة».

خريسا بروكوباكي

عرض للكتاب: 

يانيس ريتسوس شاعر التمرد والحرية ورمز النضال ..أول ترجمة عربية تصدر له مباشرة من اليونانية

باسم توفيق

ترجمة الشعر اليوناني من لغة وسيطة ليست دائماً ناجحة
جيران العالم لخالد رؤوف أول ترجمة لريتسوس كنص خارج إطار التحوير الشعري
 
ستيللا كافوليري وكوستاس موسكوف ساهما في تعريف القارئ العربي بريتسوس بقلم - باسم توفيق ثيودراكيس: ريتسوس روح هلينية مقدسة حلقت في سماء الشعر لويس أراجون: ريتسوس آخر صرخة للجياع والمقهورين أراجون يكّون لجنة من الشعراء في العالم للمطالبة بالإفراج عن ريتسوس ريتسوس ترك وراءه أكثر من مائة ديوان وأطلق الشعر اليوناني باتجاه التمرد والحرية (أنا هنا... إن كنت تبحثين عني.. فوق ذرات من ملح البحر... مهملة فوق الحجارة... مطحون بين حبات الجير التي لم تغادر مكانها منذ مائة عام... إن كنت تبحثين عني... ها أنا هنا... في لمنوس... مصلوب فوق هذا الجدار .....). 
 
لم أجد غير هذه الأبجراما الجميلة ليانيس ريتسوس حتى أدلف ببطء إلى حياته المتخمة بالنضال والترحال هذه الأبجراما ضمن مجموعة أبجرامات لم تترجم أو تنشر قبل ذلك وهذه هي جل أزمة الشعر اليوناني الحديث.. حتى من يحاولون التصدي لترجمته عن طريق لغه وسيطة يخطئون حيث يرمون بروح القصيدة بين الكلمات التائهة والحائرة بين لغتين من هنا أحب دائماً أن اقرأ الشعر اليوناني الحديث بلغته الأصلية.
 
ودعنا نقول الحقيقة ليس كل من تصدى للترجمة فشل فهناك الشاعر والمثقف المصري رفعت سلام الذي -والحق يقال- قرب لنا جزءاً كبيراً من روح ريتسوس لأنه استعان بمن راجع له ترجمته عن الأصل اليوناني أمثال الشاعر اليوناني الراحل دكتور كوستاس مسكوف والذي عاش بمصر كمستشار ثقافي مدة عشر سنوات وهو الذي أنشأ متحف الشاعر السكندري الراحل كفافيس كما أنشأ تلك الجائزة التي تمنح سنويا باسم كفافيس ولن نغفل أيضاً السيدة العظيمة ستيللا كافوليري التي صدح صوتها لأكثر من ثلاثين عاما يقدم الشعر اليوناني بلغته عبر أثير البرنامج الأوروبي بالقاهرة حيث عملت بالبرنامج الذي يبث لمدة ساعة يومياً بالإذاعة المصرية وهي والدة الفنانة الشهيرة ليلى علوي.
 
لكن هناك أيضاً ترجمات -والحق يقال- أقل من أن نطلق عليها ترجمات واقعية مثل تلك التي تصدى لها الشاعر السوري أدونيس وهو كثيراً ما يخرج عن طوره شاعراً ويضع نفسه أميناً على الشعر في العالم كله فيقع في فخ الجهل بالأتموسفير المحيط بالشاعر والعمل الذي يترجمه عن لغة وسيطة أيضاً مثلما حدث مع العمل الكلاسيكي الضخم (ميتامورفيسوس) أو مسخ الكائنات والذي ألفه الشاعر الروماني اوفيديوس مع جهله الشديد باللغة اللاتينية حيث ترجمه عن لغة وسيطة بالرغم من علمه بوجود ترجمة عظيمة وشامخة بالفعل لفارس الكلاسيكيات الدكتور ثروت عكاشة والذي راجعها الأكاديمي الكبير والمتخصص في اللغة اللاتينية دكتور مجدي وهبة رحمه اللَّه أستاذ الأدب اللاتيني وحتى لا نسرف في القول فإن ادونيس يضع نفسه دائماً في وضع لا يحسد عليه وتتوه مجهوداته بين نية الشاعر في الإفادة وبين حب الظهور ونعته بأنه مثقف لم يأت به التاريخ قبل ذلك.
 
ونعود لشاعرنا الكبير يانيس ريتسوس ولأول مرة يصدر له عمل مترجم عن اليونانية مباشرة وتعتبر هذه المرة الأولى الذي يقتنع الجميع فيها بالتجربة وهي أن الشعر اليوناني الحديث يصبح أكثر شاعرية إذا ترجم مباشرة بدون وضع أي رتوش شعرية من مترجم يكتب الشعر حيث قدم لنا هذه الترجمة الأستاذ خالد رؤوف الذي يعيش منذ عشر سنوات في اليونان حيث درس اليونانية بعمق ومجموعة القصائد التي ترجمها هي (جيران العالم) والتي صدرت منذ أسابيع عن دار الجدار للنشر والتوزيع بالقاهرة. يميز الترجمة الجديدة كما قلنا أنها أول ترجمة لبعض اشعار يانيس ريتسوس عن لغتها الأصلية حيث يملك المترجم ناصية اللغتين ويترجم في ثقه ووضوح لكن أيضاً من أهم مميزات العمل أن خالد رؤوف لا يدعي الشعر ولا يدعي انه سوف يضيف بشاعريته شاعرية فوق شعر ريتسوس من هنا أطل علينا النص صريحا وواضحاً بدون أي بصمات شعرية قد تضع بعض الصيغ في حيز الإبهام والغموض من هنا نستطيع ان نقول إن خالد جعل النص يطل علينا بشكله الأصلي ومفرداته الأصلية وربما يظل المعنى في بطن الشاعر أيضاً وهذه ليست مشكلة المترجم فالمعنى يظل في بطن الشاعر سواء قرأت النص بلغته الأصلية أو قرأته مترجماً.
 
لكن يظل ريتسوس كما عهدناه دائماً شاعراً مناضلا منتفضا نحو وظيفة شعرية سامية وناحتا بأزميله الشعري حروفا للجياع كما يصفه الكاتب الإيطالي (ايتالو كاليفينو) يظل ريتسوس جسراً بين عالم فقير ومقهور وبين الحياة والشعر وهذا ما حدا بشعراء العالم ولأول مرة ان يكونوا اتحاداً للإفراج عنه حينما قررت الحكومة اليونانية اعتقال هذا الشاعر الذي قال عنه لويس أراجون شاعر فرنسا الأشهر (الدموع التي تستقطرها قصائد ريتسوس من عينيك هي تلك الدموع التي سوف تزرفها دائماً على آلام الإنسانية وغباء الساسة... ريتسوس هو آخر صوت للفقراء والمقهورين في هذا العالم).
 
وحينما كنا ندرس في الجامعة كانت كتب اللغة اليونانية الحديثة وخاصة تلك التي تحتوي على قصائد شعرية أعدت للدراسة كانت تخلو تماما من قصائد لريتسوس بالرغم من انها كانت متخمة بقصائد لديونيسوس سولوموس وماتساس وسيفيريس وغيرهم وحينما عرفت ريتسوس لأول مرة من خلال مقال كتب عنه في جريدة يونانية رحت أتساءل لماذا تخلو كتب الدراسة من قصائد لريتسوس وحينما واتتني الجرأة وسألت دكتور كوستاس مسكوف أجابني بضحكة (نحن هنا لندرس اللغة اليونانية والشعر اليوناني لا لندرس التمرد والسياسة).
 
وهذا ما جذبني لريتسوس باعتباره جزءا من تاريخ السياسة اليونانية والحداثة اليونانية أيضاً حيث نستطع ان نقول إذا كان سولوموس قد حرر الشعر اليوناني من رجعية أوزان ومفردات الأسلوب البيزنطي فإن ريتسوس قد حرر الشعر اليوناني من السكون وأطلقه في وجه الثورة والتمرد. ولد الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس في الأول من (مايو) عام 1909 في قرية (مونيمفاسيا) في جنوب شرق مقاطعة البيلوبونيز، جنوبي اليونان، وكان والده رجلاً ثرياً ولم يلبث أن فقد أمواله على طاولات القمار، وتلقى الطفل الصغير دروسه الأولى في مدرسة القرية، ومنذ عام 1917 بدأ ريتسوس يكتب قصائده الأولى وراح يشغف بالموسيقى والرسم والنحت وهما هوايات لم تفارقاه طوال حياته، وفي أغسطس 1921 يموت شقيقه البكر بداء السل. وخلال أشهر ثلاثة (تموت) والدته أيضاً في المرض نفسه الذي غزا القرية آنذاك تاركاً جثثاً كثيرة ومآسي. ولكنه استطاع أن يعمر حتى التهم القرن العشرين في شعره وتوفي بعد أكثر من ثمانين عاما في الحياة سنة 1990.
 
من الأبواب الخلفية للصحافة أتى ريتسوس لأثينا ليعمل كاتبا في نقابة المحامين ومنها مصححاً لغوياً في جريدة، وكل ما يمت للفن بصلة ولكن يمكن أن يعود على الشاب الصغير ببعض الأموال التي تكفل حياته في المدينة التاريخية، ومع بداية الثلاثينيات تحول الشاعر إلى فعل صريح في الثقافة اليونانية. 
 
في عام 1934 يصدر ريتسوس باكورة أعماله الشعرية وهي ديوانه الأول (تراكتورات)، ويليه بعد عام ديوانه الثاني (أهرامات)، اللذين كتب معظم قصائدهما في المصحة، وفي 1934 تطلق الشرطة اليونانية النار على عمال التبغ المتظاهرين في مدينة تسالونيك فيقع ثلاثون قتيلاً وما يقارب ثلاثمائة جريح، فيغلق ريتسوس على نفسه غرفته ويكتب خلال ثلاثة أيام قصيدته الطويلة الشهيرة (أبيتافيوس) في ذكرى الضحايا، وهي قصيدة جنائزية تتكون من عشرين نشيداً أو ترنيمة، وهي بداية التحقق والحضور الحقيقي لهذا الشاعر، وفي الرابع من يوليو يستأثر الجنرال ميتاكساس بالسلطة، ويصادر كتباً كثيرةً تقدمية التوجه ومنها كتاب (أبيتافيوس ).
 
في عام 1937 يصدر ريتسوس كتابه (أغنية أختي). لكن ريتسوس لا يلبث أن يقع في مرض السل مرة جديدة. ولكنه في عام 1938 يصدر كتابه (سمفونية الربيع) ويصدر (مسيرة المحيط) في عام (1940)، وخلال سنوات الحرب ما بين 1940 و1944 تسوء حالته الصحية وسط أوضاع مأساوية تعانيها البلاد من جوع وفقر مدقع، ويكتب صحافي في إحدى الصحف اليونانية عن حالة ريتسوس منبهاً قراءه والمثقفين، فتجمع بعض التبرعات الوطنية التي لا يلبث أن يرفضها الشاعر ويطلب توزيعها على جميع الكتاب والشعراء المحتاجين، وهاهو طوال هذه السنوات يكتب، طريح الفراش ثلاثة كتب "مازوركا العجوز على إيقاع المطر"، "القرن الأخير قبل الإنسان"، "تجربة". والكتاب الأخير تمنعه سلطات الاحتلال النازي.
 
والحقيقة أن ريتسوس واجه بكل جسارة عسف هيئات كثيرة كان أوله عسف والده مدمن المقامرة ثم عسف القوات النازية ثم عسف الحكومات اليونانية المتعاقبة ولذلك ظل ريتسوس إطاراً للتمرد اليوناني ورمزاً للحريه الهلينية حيث يصفه الموسيقي الكبير والفنان اليوناني العالمي ميكيس ثيودراكيس بأنه (روح هلينية مقدسة حلقت بشعرها لبناء حلفا لديلوس من جديد) ويقصد هنا بحلف ديلوس إعادة توحيد اليونان كما كانت قبل الميلاد حيث توحدت الدويلات اليونانية في حلف ديلوس الذي كان مقره جزيرة دلفي اليونانية.
 
إن ريتسوس كان يبحث دائماً عن الحرية في الشعر نفسه وفي الحياة نفسها أيضاً، وسواء وجد الحرية أم لم يجدها. فإنه لم يكن ينثني في البحث عنها، عن صورتها المطلقة وحجمها الأرقى، ولا غرابة أن توازي الكتابة فعل "البحث عن النهار" في تجربة شاعر عانى ظلمة السجن مراراً وغربة المنفى سنوات طويلة، ولعل قول يانيس ريتسوس الرائج "أكتب ليشرق النهار" يجسد حالة الحنين الصاخب إلى الضوء والحرية، إن نهاراته التي كان يحلم بها تجسد الحرية المطلقة لأنها نهارات الإنسانية كلها، النهار الذي يحرر الإنسان من أسر التاريخ والواقع. وريتسوس الذي كتب خلال السنوات الثمانين التي عاشها حوالي مائة مجموعة شعرية، وترجم العديد من شعراء العالم إلى اليونانية، وحصل على شهادات دكتوراه فخرية من جامعات مختلفة في العالم، كما حاز على جوائز شعرية مختلفة، وحول الموسيقي اليوناني الشهير ميكيس ثيودوراكيس بعضاً من أشعاره إلى أغان معروفة يغنيها الناس على إيقاع الآلات الموسيقية الشعبية اليونانية، قد كتب عن كل شيء، وأحب الحياة بكل طاقته وقدرته على الحب، ولم يمنعه من الحب شيء في هذه الحياة، لا السجن ولا المنفى، وهو بذلك يعتبر أكبر شاعر يوناني معاصر، وهو امتداد لأساطير التفرد والإبداع في الحضارة اليونانية، وهو يرى أن العمل سمة من سمات الطبع اليوناني، وليس بوسع المرء أن يكون يونانياً وكسولاً في آن واحد، وعلى حد قوله فقد سيطر الإغريق على الطبيعة والتاريخ من خلال العمل.
 
حصل ريتسوس على درجة الدكتوراة الفخرية من جامعة سالونيك وحصل أيضاً على جائزة الشعر العالمية ثم رشح لجائزة نوبل في بداية الثمانينيات. يواصل ريتسوس عمله الشعري ويصدر ديوانا بعنوان (البرج) في العام 1974 وكتاب ايروتيكا الذي ألفه ما بين سنتي 1980و 1981وديوان (الصيرورة) في العام 1988، وفي كل تجربة يصر على أن يضيف جديدا، فبعد حياة ضجت بالعذابات والعتمة، كان ريتسوس مثل أطلس يحمل كوكبه الشعري ويمضي في صراعه، وعندما تنفد الكلمات يغمض عينيه وينام في 11 نوفمبر من عام 1990.

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <p>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أخرى عن خيارات التنسيق

التعليقات

Recent Comments

Top Commenters

مختارات

مؤلف الكتاب:
خلف علي الخلف
تاريخ النشر:
2007
دار النشر:
الكندي -جسور