،

التنزيل

مؤلف الكتاب: 
خلف علي الخلف
نوع الكتاب:
شعر
دار النشر: 
الكندي -جسور
تاريخ النشر: 
2007
مكان النشر: 
دمشق- باريس
نبذة عن الكتاب:

«التنزيل» مجموعة خلف علي الخلف الشعرية
صدر للشاعر السوري خلف علي الخلف مجموعة شعرية حملت عنوان "التنزيل". عن داري جسور (دمشق) – الكندي (باريس)؛ وجاءت في 104 صفحات من القطع المتوسط.
وقد قسمت المجموعة الى ثلاث اقسام؛ القسم الاولى ضم خمسة نصوص طويلة نسبيا ( وريث البراري – صبوات السيف – ندب على قبور الجهات – سَدْو الغياب ) والقسم الثاني ضم ستة نصوص (حجر الليل – العاشق – مات هناك – شمس الناحل – المردو والمكحلة - الجسد سؤال اليابسة) جاءت أقصر من السابقة؛ بينا جاء القسم الثالث تحت عنوان رئيس (مآتم الذاكرة) وعناوين فرعية لنصوص قصيرة. كتبت نصوص المجموعة كما هو مدون أسفل النصوص بين عامي 2000- 2004؛ وفي أماكن متفرقة توزعت بين أثينا والرياض وحلب؛ وهذه المجموعة هي الثانية للشاعر إذ أصدر قبل ذلك مجموعته الأولى " نون الرعاة " في عام 2004؛ مما يشير الى قلة اصداراته وتباعدها.
وصدّر الشاعر مجموعته بمقولة للحلاج "لو ألقي مما في قلبي ذرة على جبال الأرض لذابت وإني لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار ولو دخلت الجنة لانهدم بنيانها"
وبشكل عام تنحو نصوص المجموعة الى المزاوجة بين الذاكرة- التي تنهل منها النصوص – وبين رؤاه للوجود ولذاته؛ كفردٍ أعزل طحنته الهجرات وهي توزعه على جهات الأرض؛ إذ كلما (مشى على الماء نقر الطير خطاه). وعبر محاولته اجتراح لغته الشعرية الخاصة يعلو بما هو شخصي وجوّاني الى مصاف الاساطير؛ وكذلك يعجن ماهو خارجه بماء وحشته ويخبزه على ناره الداخلية ليكون رغيفاً يدل عليه وعلى أقرانه.
ومن أجواء المجموعة هذا النص :
وريث البراري
الهفوةُ تغفو
يسترها الناحلُ مستبشراً خلاصهُ من حواف الخَواتم لا الأصابع ترتوي من خِصل التورية ولا الشفاه تلثم البلور ومثلها الفارس
عيناهُ معصوبتان ويداهُ ترنيمةٌ للأسى
التباريحُ تجهشُ
النبوةُ تغتسلُ بعطش ِالإبل
الذبّاحون طافوا ببياض ِالقبورِ، تركوا نِسوتهم معلقاتٍ
على حبلِ الدهر كعمرٍ تجففهُ الخطيئةُ
الأقواسُ تظهر في سماءِ الله مثخنةً بدم الابن والترانيمُ تسبحُ في نهره وهو يَشْرَقُ بالأسى.
الناحلُ
على ضفاف الأبد ينزع السلاسل، مرتجلاً مهدهُ، حافراً قبره عند وسادته
يقرأ الرؤيا كما وردتْ على لسانِ يوحنا يسرق الكتابَ من رُفة العرش، يفضُّ أَختامهُ
المروءةُ تتزينُ بكحلِ الهند وخلاخيل الفصاحة وزوجة ابن الورد تُدَفِئ فِراشها بِشَبهِ الناحل
تعرفهُ البراري
عابراً مثل دم ٍيسيل
يرتِّلُ الخُطى مزاميراً
يُضرمُ الغفوةَ بِريقهِ
يلوثُ الريحَ بأنفاسهِ
ويروي النشيدَ بماءٍ يسيلُ
من حَلمةِ الموت
ظل يبكي الرُّحَّل
وعيناهُ ترنوان للقبور
بلّل الهاجس بمقاماتِ الصبا
وعليهم كان يبكي
من عينيهِ كان الطوفانُ
من أَضلعهِ صنعَ نوح الفُلكَ
غير أنَّه ظلّ على اليابسة يعصمهُ النشيدُ
وحين مشى على الماءِ
نقر الطيرُ خُطاه
حملته الأوهانُ عارجة ًعلى ساقِها، سَرَتْ به إلى ليلٍ
خجول
عبدتهُ المآذن، أصغتْ إليه الأجراسُ وهو يحفرُ قبرَ امه على كتف البليخ*
آلف القطا، عَصَرَ لهُ الماءَ من أرْدُن العاشقات
( منذ الطفولة كانت خطاهُ تصير قُبَرَات وهو يركض خلف "مْلَهِيَة الراعي"* )
في الرمق الأخير من ليله، يشتل الأناشيد، يطوف حول قبور الألفة يلقنها الوصايا كما رواها شيوخ الشريعة
أبصرهُ يحيى بن زكريا يأكل من شجرِالصدوقيينَ نَهَرَهُ قالَ:
الصائمُ يأكل قَرنَ الغزال
رأى الثلجَ على بياضِ المرايا فابْتَهَلَ
أضاءَ مِحرابه بالشموعِ التي خطفها من ورثة تيمو ثاوس
شيّدَ من نُخالةِ اللغة وثناً لم يعمّدهُ يوحنا ولم يعطه الربُّ اسماً وظل يجوب البراري باحثاً عن إلهٍ ينسبُ إليـه أبناءَه
يعجِنُ طحينَ الفِطرة بدم السنونو ويفرقهُ عن روحِ الحبيبْ
المرايا ناءَتْ بصورتهِ
هو الذي تحسده الملكات على تاجه
الأطفال يصيحونه: ملك الملوك والقطا يدعوه الراعي قاده تموز إلى ظُلمتهِ وأخرجَهُ مجدولاً كصيفِ العذراء
تَرحلُ إليه المدارات الجهاتُ تلتفتُ إليه
يسندُ جَرَتَهُ إلى حضن الثاكلة و ينوحُ:
مثلكِ رائحة الأزل تفوح من أرْدَانِ الخالق...
أجدل ضفائركِ بأصابعِ الشغف وأهجو المدنَ التي أنجبتني
لم أفتحْ أزرارها، لم أمد يدي إلى أشجارِها غير أنها أخرجتني من مَلكوتِ الفاطرِ، الذي تُسَبِّحُ باسمه الديدان وعاشقةٌ تنامُ على حبلٍ من مَسَد
على شواطئ حفرها بائعو الخيل وقراصنةُ الدمعِ وعاهراتٌ يضاجعنَ رملاً لم يندمل
تهجرهُ العاشقاتُ وتفرُّ منه النبوءةُ، يحبس دمعهُ في زنازين عينيه ويُخَلِِّدُ الصوتَ
ضحكتُها ترنُّ كأجراس الوالهِ غير أنَّه لا ينام يشرب الليلَ من أصابعها، يخطُّ صِباه على راحة اليد مهيئاً طريقَ اللذةِ ويُشْرِقُ في برِّ الشامِ
منيراً مراعي الحوريات وشاهداً على صبرِ الضحية وهي تذبحُ بالسيف العاري
مَنْ يضفرِ الأناشيدَ ؟
يربطني إلى برِّ الشآم حيث نسيتُ نبيذي
تُشرق الصباحاتُ وأنتَ تذوي مثل صدى هجا صوتهُ ومحزوناً تبكي كمن أضاع اسوارة العرس، أو كريحٍ أضاعتْ نسلها بين الجبال
سفح البابليون دمكَ في كؤوسِ الغواني، اضطهدكَ نسلُ داوود، ومازالتِ الخيلُ تُصهلُ عند تخومكَ وقد أرْدَتْ فرسانها في حروب الرِدة
تنادمُ السُلالات التي تعبرُ صحراءَكَ وتنسى أنَّكَ أضَعتَ عباءتكَ عند تخومِ الربع الخالي
تحفرُ كل يومٍ قبرَ أثينا كي تَعُدَّ أصابعها
منشداً للجنائزِ عند سفح الأكروبول كسرابٍ أضاعَ أقرانهُ:
مَنْ يُريني نَعشي قادماً على إبلِ الروحِ في شروق اليمامة
لأغمسِ قلبي بعسلِ السّدْر تَدمَعهُ الملكاتُ في سهول تهامة
وأفرقه للعابرينَ صَوبَ أثينا....
تضفركَ الأنوثةُ بأطرافِ جدائلها؛ تحبس ابتهالاتكَ بجوار النهدين:
ما كانت الأنثى بدءاً
بل حطباً في تنور العاشق
وما أَردتُ الشجى لأغري نارَها ببيادري لكنها الروح تُشوى على جمرِ البصيرة أغرف الوجدَ من صرخاتِها وأفضح المكنونَ في رُطْبِ نفسي:
لم يغسل أحد قلبي بالثلج
وما سرحت بأغنام أبي
واحترقت بموقد البيت مراراً
غير أنَّ النشيد باغَتَني في صِباي
على ظلي هبطَ الوحيُ وسالتْ عليَّ النبوةُ
فزمَّلّتني العاشقات
(وصنع معجزاتٍ أكلها النمل :
غافلَ البائعَ وسرقَ إسوارةً لحبيبةٍ لم تجئ
لَحِقَ بابيه في الظلمة الى بيت الجمّال عَبرَ البليخ من المَخَاضَة ولم يرتجفْ من الماء
أمسكَ الأفعى من ذيلها وأخافَ أقْرَانَهُ ونساءُ أبيه بالعباءاتِ السود والمناديل البيض حمَلنه مسير سنين، كتعويذة في صناديق عرسهن، وما زال حياً)
على العتبة كسر كأسَ النبوةِ :
ماحاجتي للرسالة وأنا إلهُ الذنوب
هَا أنَا أوْلِجُ الليلَ فيْ صُبْحِهَا * وَأوْلِجُ صُبْحَهَا فيْ سَوَاْديْ * أغْمِسُ الأمْوَاْتَ فيْ ضَوْئِهَا * فَيَقْومون
عُشَاْقَاً ثَمِلِيـنْ
تُشْغَفُ بِصِغارِ القَطَا وعلى ظلكَ الكونُ يبكي
ياوريثَ البراري
ها أنتَ واحدٌ احدٌ هَجركَ الطير والخُلانُ ناموا
فأينَ تواري الألوهة
ياحَفيدَ الغزال
أثينا / كانون الثاني2002
* البليخ: نهر يمر بقلبي وينحدر للفرات يبسَ مثل خطاي
طويلاً إلا أن الأتراك يستخدمونه الآن مجرى لتصريف فائض الري في مشروع سد أتاتورك
* مْلَهِية الراعي: طائر صغير وجميل نسميه أحيانا مْحَني ذيله. يطير على مستوى منخفض ولايبتعد في طيرانه مما يجعلنا نمضي النهارات في مطاردته معتقدين أننا سنمسكه بعد قليل.

موقع الجمل

عرض للكتاب: 

استدراج الشعر الي منطقة شبه مهجورة: التنزيل للشاعر السوري خلف علي الخلف

 إبراهيم قعدوني
ما الذي يجعلنا نُعجَبُ بنصٍ شعري؟ ربما تحتاج مقاربة هذا السؤال إلي مساحةٍ تتعدي هذه القراءة العاجلة، علي أنَّ الحدّ الأدني لتحقيق شرط الإعجاب يتوقف حسب ما أري علي قدرة هذا النص علي توسيع مساحة المشترك بينه وبين قارئه مستنفراً حواسه ووعيه وذاكرته وإرثه النفسي واللغوي والمعرفي مفسحاً المجال أمام تفاعلٍ خلاَّق بين النص والمتلقي، والذي يعتبر بدوره أحد أهم مميزات الفعل الإبداعي.
في مجموعة (التنزيل) وهي المجموعة الثانية التي يصدرها الشاعر السوري خلف الخلف بعد (نون الرعاة) ـ أثينا ـ 2004، يطالعنا الناحل بنشيده تارةً ونشيجه تارةً أخري ملقياً نرد أسفاره في وجه زمنٍ قاحل يحاصر ذاتاً منهكة بخصوبتها تقلب الوجود باحثةً عن وجهه المفتقد. يبدوالمشهد صحراوياً بامتياز، وتتكرر جدلية الوحشة والخلاص، التجريد والتجسيد في تصاعد درامي يمنح النص حيوات إضافية تدخل القارئ إلي ثراء مشهدها المحتدم حيث الهجرات والفجائع و الأنا الضالة.
أمام هذا الجدب تحضر اللغة الحافلة بالمجاز كخيارٍ يركن إليه الناحل الأعزل وهو يطارد برهته التي لا تأتي، لغة يمكن وصفها بالحارَّة والنزقة وربما ـ غير المصفَّاة ـ حيث يبدو النص في بنيته السطحية قائماً علي لغة فصحي وبلاغة أقرب ما تكون إلي التقليدية، الحقيقة التي تعكسها مناخات المجموعة ! إلاَّ أنَّ قراءةً عنيدة ستحيلنا إلي مستوي آخر ينطق بالجديد والآسر فعلاً والذي يتجسد في خروج النص علي البيان التقليدي ونسفه للمجاز المكرَّس مقترحاً علاقات طازجة لتأسيس الجملة الشعرية تخصه وحده وتشير إلي ثراء قاموسي يحسب لهذه التجربة، حيث أنّنا نتعقَّب بعض المفردات وهي تنتج دلالاتها الخاصة عبر سياقات النصوص ومن الملحوظ أن المجموعة تتمسك ببعض المفردات التي تتكرر في أكثر من نص، ما يشبه عملية توليد تراكمي للمعني وقصدية واعية في رسم الدلالات (الناحل، النبوّة، الموت...الخ).
أمَّا من ناحية الشكل فيمكننا تمييز ثلاثة أقسام رئيسية، ضمَّ القسم الأول خمسة نصوص طويلة نسبيا هي: (وريث البراري ـ صبوات السيف ـ ندب علي قبور الجهات ـ سَدْو الغياب) بينما ضمَّ القسم الثاني ستة نصوص وهي: (حجر الليل ـ العاشق ـ مات هناك ـ شمس الناحل ـ المِروَدْ والمكحلة ـ الجسد سؤال اليابسة) وهي نصوص قصيرة مقارنة بسابقاتها، بينما حمل القسم الثالث عنواناً رئيسياً وهو: (مآتم الذاكرة) مع عناوين فرعية للنصوص القصيرة التي جاءت بلون مختلف عن السمة العامة للنصوص السابقة من ناحية الاشتغال.
يستهل الشاعر مجموعته باقتباس للحلاج لو ألقي مما في قلبي ذرة علي جبال الأرض لذابت وإني لوكنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار ولو دخلت الجنة لانهدم بنيانها .
إنها بمثابة توطئة لما سوف يأتي في المتن؛ نصوص زاخرة بالترحال والقسوة، تيه بشريّ ومكانات مذبوحة في مشهد تراجيدي/ جنائزي، حيث الأشياء مبعثرة وحيث الناحل بنشيده يحاول لملمة ما أمكن من طريق زمنٍ يلتهم كل شيء.
في نص (وريث البراري):
الناحلُ
علي ضفاف الأبد ينزع السلاسل، مرتجلاً مهده حافراً
قبره عند وسادته
يقرأ الرؤيا كما وردت علي لسان يوحنا
يسرق الكتاب من رُفة العرش، يفضُّ أختامهُ
ينفخ الشاعر في الناحل من روحه ويلبِسُه منطوقه ويخلع عليه أسفاره فيما يشبه حالة تطابق بين ذات المؤلف وذات النَّاحل الذي حين مشي علي الماء نقر الطيرُ خطاه ومحي الوقت آثاره، تائه في ملكوت هواجسه واغترابه يلوّح بمواويله الجريحة كحال معظم الذين شربوا من الفرات، فكأنه سقاهم أوجاعه مدسوسةً في الماء! ينوح الناحل متوجساً أنثاه، مسنداً أيامه إلي جرَّتها ممجداً رائحتها وهوالمزكوم بالفقد:
مثلكِ رائحة الأزل تفوح من أردان الخالق....
أجدل ضفائرك بأصابع الشغف وأهجو المدن التي أنجبتني
لم أفتح أزرارها، لم أمدّ يدي إلي أشجارها
غير أنها أخرجتني من ملكوت الفاطرِ، الذي تسبح باسمه
الديدان وعاشقة تنام علي حبلٍ من مسد .
للعنوان الذي اختاره خلف لمجموعته تعاقداته الداخلية في النصوص بلا شك، هناك قصدية مدروسة للعنوان يمكن الاهتداء إليها من سياق نصوص عديدة حيث تبدو جلية في نص (وريث البراري) والذي يشبه بطاقة التعريف بالذات الناطقة:
غير أن النشيد باغتني في صباي
علي ظلي هبط الوحي وسالت عليّ النبوة
فزمَّلتني العاشقات
إنها رؤيا الشاعر، يقارع بها خواء يتربصه وتناقضات تفتك بلحظته وتقوِّض مشروعه القائم أساساً علي هدم الراهن وبناء المتخيل/ المفقود، لذلك ها هو يلجأ إلي الغيب/ الميتافيزيقي كي يتحلل من تناقضات الواقع ويبتكر آلية دفاعية تساعده علي التكيّف.
يمكن القول بأن هذا العمل يبلغ ذروته الفنية في نصِّه الأهم (ندب علي قبور الجهات) والمهدي إلي الشاعر الراحل عبد اللطيف خطَّاب*:
يقف النص علي تخوم الملحمة إن لم نقل بأنه ملحمة تتداخل فيها الأصوات وتقف وراءها أنا ترصد الأشياء بعين النبوة تارةً وبعين النادب تارةً أخري، نص ذو ملمح مسرحي، واعٍ لهذياناته، حيث تتفاعل ثلاثة أصوات محورية في النص لصياغة نشيد فاتن يمسك بإيقاع مضمر أحياناً ومعلن أحياناً أخري، حيث يبدو الملمح الموسيقي غير الممنهج حاضراً في هذا النص وفي نصوص أخري أيضاً كما تلاحظ الجملة الشعرية الطويلة حتي يكاد النص أن يكون عبارة عن جملة شعرية واحدة تشكل مركز هذا النص .
الراوي/الشاعر وهو أول الأصوات التي تزيح الستارة:
أنا أول الأسلاف
الموغل في سفر الضني/ شبيه الأبديةِ / نسلُها / صوتُ أجراسها / حبيسُ الزمن/مُوقد الشموع/ المستضيء بدمها
أرتقي الزمن علي نحيبٍ يتمزق
ثم يتبعه صوتٌ آخر وهو الصوت الثاني الذي يشبه أنا ثانية، تقدم تعريفاً مغايراً لذات الراوي وللمشهد الذي يتم رصده:
أيها القادم كثغاء أغنامٍ بعيدة
كنايات تحلم بالخروج من قبرها
ماذا قرأت بأصابعك غير غريزة التناسل
من الذي أوحي إليك: الأيام تنتظر خطاك
تمشي بأصابعك والمدينة ليست جسداً/ الأيام هنا تحسو
زمنها علي مهلٍ ولستَ رسولاً لمملكة يحرسها الطين
لستَ مطراً لتذيب سيوفنا، والخديعة ليست صدأ لتزيله
عن سكاكين الأصوات
أمَّا الصّوت الثالث فهوصوت الندَّابات حيث تقص العذاري جدائلهن و تتعري الغبطة :
عليكَ
لتبكِِ البلادُ
لتندبِ الندَّاباتُ ويفضحنَ أسرارنا
لتشقَّ النسوة بياض وجوههن بالهلاهيل
لغيابكَ
فلتختبئ الخضرة في السهول
تصمت الأشجار
ويخفِِ النهر ألوانه
نص يتصاعد بلا توقف بأسلوبية عنيفة في التصوير ورصد طقوس العويل والنحيب في ريف الجزيرة السورية والتي تعود بمرجعيتها التاريخية إلي الطقوس البابلية علي الأرجح، كما لا يفوتنا التوقف عند المقترح البصري للنصوص، حيث لجأ الشاعر إلي تقنيات مختلفة في تقطيع العبارة والجملة والمقطع فيما يبدو انعكاساً للحالة الداخلية للشاعر ، حيث نراه يباعد بين المفردات في الجملة الواحدة، بينما يلجأ إلي المساحات البيضاء في أماكن أخري كما أنه أكثر من الاستعانة بالخطوط المائلة فيما يشبه تقطيعا وتوكيداً بصرياً للمعني، علي أنَّ هذا النص يبلغ ذروة هدوئه ويدخل في ما يشبه حالة تأمل واسترخاء فلسفي حين يتحدث عن الموت:
أيها الموت يا زمناً يضمره الآن
تنبت في حاشية الغرابةِ يداً تتبادلنا عند باب المصادفة
تدق كل ريحٍ عابرة، تخيطنا إلي العدم لتنسج لقبور
تتواردك الخواطر أرواحاً، تقطفها عاريةً كالسحاب
يا طعماً نتذوقه كالعبرات
ويمضي بنا قبل وصول الحواس
لقد استطاع خلف أن يستدرج الشعر من جديد إلي منطقة قد تكون شبه مهجورة في النص الشعري الرَّاهن وباشتغال ذكي وعين شاعرة تجمع الأزمنة وتكثفها في برهتها واعية لأهمية التأسيس لنص دافئ وذي أطراف متعددة تستخدم جميعها في مصافحة المتلقي، يحدث كل ذلك خارج أشكال التخندق النمطي، بمعني أن هوية المجموعة لا تميل إلي تكريس شكلاني ينتصر لشكل علي آخر (التفعيلة وقصيدة النثر) بل علي العكس نجد الشعرية حاضرة كاستحقاق رئيسي وكهاجس لمجمل النصوص.
 
ـ لوحة الغلاف للفنان التشكيلي أحمد برهو
ـ الناشر: جسور ـ الكندي
ـ الطبعة الأولي 2007.
ـ عبد اللطيف خطاب ـ شاعر سوري 1959ـ 2006 ، من مؤلفاته (زول أمير شرقي) دار الريس.
 
شاعر من سورية يقيم في الدوحة
القدس العربي
26 / 11 / 2007

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <p>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أخرى عن خيارات التنسيق

التعليقات

Recent Comments

Top Commenters

مختارات

مؤلف الكتاب:
يانيس ريتسوس
المترجم:
خالد رؤوف
تاريخ النشر:
2010
دار النشر:
جدار للثقافة والنشر