مالم تقله نوف
«من بين طرقات القيان على الطيران جاءني صياح هنوف ليس من ماضي صباي بل من واقع خيبتي».. هذه العبارة تلخص محور السرد في رواية «مالم تقله نوف» لعزة السبيعي، حيث كانت نوف تجتر ماضيها، وتسرد خيبة حاضرها، بلغة بسيطة عكرها تداخل الفصيح بالعامي أحياناً، لكن هذا التداخل كان ملائماً لفكرة النص الذي جاء كمذكرات ل»نوف»بطلة الرواية وساردها.
كان بإمكان اجترار مشابه للذاكرة أن يكون مكروراً ومملاً، لولا ميزة أخرى أساسية في النص، تلخصت في استحضار الموروث الشعبي والحياة الاجتماعية لمناطق البادية التي عاشت فيها «نوف» طفولتها قبل انتقالها إلى جدة.
أبيات من الشعر الشعبي وأهازيج، وقصص حول «التضيير» و»قرص الحلم»، ولمحات من التحولات الاجتماعية التي جاءت في خطاب عفوي غير محمل بأي أيديولوجية إدانة أو تبرير «..مكان تجلس فيه الفتيات وقد يمر عليهن بعض الفتية، ومكان نتقافز عليه نحن الصغار..» أو «..بدأ المنقول بأربع سيارات، يقود الثلاث الأولى إخوة العريس، بينما تقود الرابعة هيا ..» أو «دخل الجميع بعد وصلة رقص مختلطة....يقولون: فيما مضى كان هناك صف للرجال وصف للنساء» أو «اقتربت من إبراهيم مد يده مصافحا، تجاهلتها وركبت بينما صاحت أمي: نوف من بنات جدة، وبنات جدة ما يسلمن على الرياجيل»..الخ من الأمثلة على الاختلافات في الحياة الاجتماعية بين المدينة والبادية، والماضي والحاضر كذلك.
الرواية متماسكة، وكُتبت بحيث أصبحت هذه الإشارات والتدوينات تدخل في صلب السرد، لا تبدو مقحمة أو متطفلة على النص، بل هذه القصص هي من صميم ذاكرة البطلة التي تحاول استرجاعها في لحظة يأسها ونصبها، لتقارن ما حدث ويحدث، وتعزي نفسها أو تلومها، وتراجع خياراتها كذلك.
«ما لم تقله نوف» من إصدارات جدار للثقافة والنشر، وتقع في 84 صفحة من القطع المتوسط.
جريدة الرياض 2010
(1)
كنت أعرف أن هذه اللحظات ستبقى معي إلى آخر العمر، فلم يكن هناك مجال للانحناء واستجلاب الشفقة من عينيه، فيمتد بي الحزن إلى آخر العمر، تنفست بعمق ورفعت رأسي، كأن«أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق» قوة خارقة دفعتني نحو السطح.. فعرف النفس طريقه إلى رئتي، بدا أمامي مهزومًا جدًا والدموع تملأ عينيه «بنيتك بالكلمات، وهدمتك أيضا بالكلمات»، همست وأنا أبتعد، حاملة ملابسي وكتبي وأشيائي الصغيرة تاركة ديوان نزار ملقى على سريرنا، لا أعرف على أي قصيدة كان مفتوحًا،.. نزلت السلالم مسرعة، أخشى أن تفتح إحدى زوجات إخوته بابها فتتهجى الخيبة في ملامحي، كنت بدوية ترغب أن تموت فيهم كنخيل ديرتها واقفةً...
عندما ارتميت في المقعد الخلفي من سيارة أمي صاح سائقها: ولا يهمك يا ست نوف، بكرة ربنا حيرزقك بسيد سيده. عندها بكيت، عرفت أن بيني وبين ناصر الآن لا شيء، وأن عشرات النساء اللواتي يستعرضن أنفسهن في ماسنجره أصبحن أقرب مني إليه. وددت لو أطلب من محمود أن يذهب بي إلى مقبرة الرويس لأدفن نفسي مع ثلاثة أجنة هم ثمرة حبي لناصر وكرهي له أيضًا، لكن شبح جدتي الراحلة برز أمامي يردد: إياك أن يرى دموعك أحد.. لا تبكي من أجل رجل أبدًا، كما قالتها عندما رأتني أبكي على فراقه في أول مرة افترقنا فيها بعد عام واحد من الزواج، وجئن أخواته الأربع لردي إليه.
يومها وقفت جدتي على باب غرفتي ثم أماطت اللثام عن شفتيها الرقيقتين وهي تهمس: تزيني، لا تدخلي علينا إلا وروائح عطورك تسبقك، دعيهن يرين أنك غير عابئة به ولست حزينة عليه، ثم رفعت أنفها النجدي المغرور وغادرت واثقة من أني سأنفذ أوامرها كما هي، لكنني لم أكن مثلها أبدًا. أخبرتني مرة أنها هربت من زوجها وهي ابنة سبعة عشر عامًا من وادي المياه حتى وادي بيشة أو نجد الصغرى بلا زاد أو ماء تمر بتلك الجبال (الخثعمي، والدخول، وحومل، مرورًا بالرقيطاء، وحليبة، وعطف الجبرة)، وسقطت بين عبيد السقيفة ليحملوها إلى أبيها شبه جثة، بعينيين تمتلئان عزة وأنفة هاربة بكرامتها. لم أهرب مثلها.. وبقيت بين يديه حتى طلقني، لم أعد أعبأ بحساب الطريق بين بيتي وبيت أهلي، وصوت أمي الموعود بالفقد يهمس«وينك»؟
في الطريق أضع جوالي صامتًا، تظن أمي أنه لم يتركني أرحل، لم تدر أنني قد أحرقت نفسي فيه بسخريتي، ولم يدر هو أن بعض السخرية فرع من الألم.
شارع فلسطين يتلقانا، وفي نهايته تقبع السفارة الأميركية وصوت سعود قبل أن يغيب يتردد في داخلي: شوفي لو كان معي كرجستاف وطلعت على مستشفى فقيه كنت فجرت السفارة الأمريكية.. وجهه تغير لحظتها، بدا كائنًا آخر. همست به: عندك مشكلة مع أميركا! «ما مشكلتك مع جنود الحرس تقتلهم»؟ تطلع لوجهي لحظة! وهمس: أمرهم لله.. ثم انطلق، كانت إشارته خضراء.
محمود يثرثر عن غضب إخوتي وعن بكاء أمي وعن صمت أبي، أفكر في أشياء كثيرة، ليس من بينها ردة فعلهم عما حدث في ظهيرة عاصفة، أزدرد حزني وتظهر أمامي طفلة بضفيرتين طويلتين، أتذكر صيف الديرة واللعب مع بنات وأبناء أعمامي في البركة، لم يكن يهمنا أحد نخلع ملابسنا بعيدًا عن أعين أمهاتنا ونتعلق بجريدة نخل نتدلى منها -كأننا طرزان- لنتساقط في البركةالمليئة بالمياه الباردة.
وما إن أسمع صوت سيارته وأراه خارجًا منها ببذلته الرياضية الخضراء حتى أسرع أختبئ خلف شجرة رمان، أتابعه حتى يدخل وأعود لألعب تارة أخرى.
في العصر كان هناك ثلاثة أماكن أمام بيت جدي في مقابل المزرعة -البلاد كما نسميها- مكان يجلس فيها الأعمام والعمات وزوجاتهم وأزواجهن يتوسطهم جدي وجدتي، ومكان تجلس فيه الفتيات، وقد يمر عليهن بعض الفتية، ومكان نتقافز عليه نحن الصغار على قطعة السجادة الملقاة لنا.
هناك كشفت إحدى خططي لصويحباتي، قلت لهن: عندما أكبر سأتزوج ناصر، كنت أسرح عروستي، وأقولها جازمة، يومها أسرعت طفلة حمقاء إلى الفتيات وأخبرتهن، وجاءت هي من بينهن قرصتني من فخذي وهي تنظر إلى عينيّ الباكيتين: البنت ما تصير قليلة أدب، والله لأعلم أمك؟ منذ ذلك اليوم كرهت نورة وكرهت أن يظنها ناصر جميلة، فلم تكن جميلة مطلقًا.
في صباح اليوم الثاني، قررت الاختباء في حضن أمي، فقد انتشر ما قلته في كل مكان، وصار نكتة بيت جدي، وصرت بطلة قصص شتى، حتى والدي كان يضحك معهم وأمي كذلك، ونسيت بعد ساعات خوفي من ضحكاتهم وخرجت فتلقفتني يداه، أمسكني بضفيرتي وعلقني في الهواء وسط ضحكات إخوتي، فأطلقت سيل دموعي، ما إن رآها حتى أنزلني وقرب وجهه من وجهي وهو يقول: «سأتزوجك عندما تصبحين في عمر نورة، لكن لا أريد أن أرى وجهك متّسخًا بالحلوى»، ووعدته دون أن أقول، فلم أرَ نفسي إلا متسلقةً إحدى المغاسل أتأمل نظافة وجهي، ثم قررت ألا آكل الحلوى أبدًا.
ما الذي لم تقله نوف
في عمل هو الأقصر روائيا حتى الآن، من حيث استقراء شامل قمت به على الروايات السعودية التي تمكنت من الاطلاع عليها تخرج الكاتبة عزة السبيعيّ بروايتها التي عرفت عليها القارئ السعودي "ما لم تقله نوف".
وإذا ما تجاوزنا العرف الكمي للرواية -وهو ما يجب تجاوزه- الذي يقتضي في عدد من التقعيدات الأكاديمية أن لا تقل عن 10 آلاف كلمة، حتى لا تشتبه بالنص القصصي الذي يعد قصيرا في طيلة القرن الـ19 عشر وحتى منتصف القرن الـ20، فإن ما ينبغي أن نلتفت إليه هو جذور هذا العمل، وكيفية اشتغال الكاتبة عليها، لتتحول إلى عمل سرديّ يستحق إضاءة جوانب عدة منه.
الجذر الأساسي لرواية ما لم تقله نوف، هو مجموعة من الخواطر المتعلقة بمونولوج داخلي لفتاة مطلقة تتحسر على فقدان حبها، وتحاول تعويض خسارتها بمنظومة من المونولوجات الغنائية التي تحتفي بالبيئة الريفيّة لقبيلة "سبيع"، بدأت المؤلفة نشره قبل 5 أعوام في جسد الثقافة في موضوع بعنوان: أنا لي معاه حكايات وحكايات.
وما يهم القارئ في هذا الصدد هو اشتغال الكاتبة على تحويل عدد من الخواطر المتعلقة ببيئة قبيلتها ومغانيها ومآثرها وعاداتها وموروثاتها الشعبيّة شعرا ونثرا وحكايات إلى عمل سردي يغوص في أعماق الأنثى، ويرصد نشدانها للخلاص ضمن المنظومة القبليّة والعرف القبائليّ، لا عن طريق كسره وتجاوزه كما هو مرتسم في أغلب تجارب القصة والرواية النسائية السعودية.
فما الذي لم تقله نوف في مجتمعها وقالته لنا في الرواية؟
تحاول الساردة في روايتها أن تصوّر لنا أن نشدان المرأة للخلاص من خلال تجلدها أمام فقدان الحب الأكبر، ومحافظتها على كبريائها واستعادتها لاحترام ذاتها- هو الذي يجب أن تقاوم وتفعله دون أن تقوله.
ويتضح من خلال مسيرة الأحداث، وكما هو موجود في الجذر الأساسي المنشور قبل ما يزيد على 4 أعوام من صدور الرواية، أن الرواية هي اقتفاء ينشد الاقتصاص من الرجل الذي يصدم الأنثى في مشاعرها، وتصويره على أنه هو الضحية، وأن المرأة رغم أنها هي من يبكي أولا بعد طلاقها، إلا أنها هي من تضحك أخيرا، والنتيجة بالطبع هي: أن الرجل سيبكي أخيرا.
مفهوم إعادة كتابة النص ولم شتاته كما يصوره لنا ماريو يوسا في كتابه "إلى روائي شاب" ناقلا إياه عن أرنست هيمنغواي هو ما نشاهده هنا، إذ تقوم الكاتبة بلمّ شتات أفكار الموضوع، وتحويل مادته، رغم تناقضاتها ما بين الرؤية المدنية العصرية والرؤية القبائلية إلى رواية يتسيّد مظاهر القوّة والتسلط فيها عنصر "الرجل"، لكنه هو الخاسر فيها في النهاية.
صراع عاطفي محتدم في دواخل "نوف" التي عشقت زوجها منذ صغرها، وعشقها منذ أن رفعها وهي طفلة، وتمادى عشقهما عندما التقيا مصادفة أثناء اختلائه بامرأة منافسة لها على حبه، إلى أن أفضى الأمر، عبر موافقة ومباركة من قبيلتهما، التي لا تعارض أعرافها التقاءهما، إلى لقائهما في عش الزوجية، في حب تحيط به القلاقل المترتبة على نزوات يقترفها الزوج مع فتيات الإنترنت على رغم حب زوجته له.
لا ندري كيف تصل الطلقات إلى الثلاث، كل ما نعرفه هي قصة الطلقة الأخيرة، وأن نوف كانت تعود في كل مرة، غير أنها في آخر الأمر تجلدت وواجهت مصيرها، عبر التماهي مع أسرتها وقلقها على أخيها المتورط في أتون الأحداث الإرهابيّة، إذ يجري البحث عنه وينزل في قوائم المطلوبين للقبض عليهم.
أرادت الكاتبة أن تقوم بما يشبه ما قام به ابن رشد في المواءمة بين الفلسفة والشريعة، بالمواءمة بين الإنسانية المعاصرة والنزعة القبائليّة، وهذه المحاولة معرضة لتساؤل جذريّ: هل نجحت أم لا؟ فرغم أن العمل تخفف كثيرا من سيطرة النزعة المذكورة عليه بعد أن كانت مهيمنة عليه وهي لغته الوحيدة في جذره المنشور سابقا، إلا أنه ترك ندوباً على "منطق البطلة الإنساني"، حيث نجد أنها تحزن كثيرا وتقف إنسانيا مع طالبة تعمل ضمن فرقة غنائية للأعراس لتحاول قتل فقرها، لكنها تتعامل بأسى لا يليق بالتفجع الإنساني لأشد الأحداث رعبا في قصتها، وهو فقدانها لإحدى صديقاتها التي اغتالها ذووها من أجل فرارها مع "الصانع"، ما يثير تساؤلا مهما: ما الفرق في عرف القبيلة بين هروب ابنتها مع "صانع" أو "رجل أصيل"؟ نجد أنه لا فرق من حيث العرف، فالفتاة التي هربت سواء مع "صانع" أو "قبيلي" هي في النهاية فاقدة الشرف عرفاً، غير أن العمل يتجاهل ذلك، ويضفي صبغة خرافية على التستر على جريمة القتل، مقترحاً أن الوسط الاجتماعي تقبّل أن الفتاة التي أعدمها ذووها اختطفها الجن، ما يعيد إلى ذاكرتنا مبالغات المحيميد في روايته في فخاخ الرائحة، وتحديدا في فصل طفل القمر، حيث تقتنع الأسرة الحجازية البسيطة، بأن بطن فتاتهم المتكور إنما هو ناتج عن تلاقح بريء جرى بينها وبين القمر.
على هامش الأحداث يبدو الزوج "ناصر" شخصية أسطورية مستعصية على الغلبة، تتنافس عليه نساء القبيلة، ويوقع أعتى الفتيات في حبه، ويسطو على المرأة في كنفه، ويمتلك فكرا تحرريا في الوقت نفسه لا يمر قطاره بمحطة زوجته التي يخونها أمام عينيها، وهذا الـ"ناصر" يقف في مواجهة فكر شقيق البطلة "سعود" الإرهابي بأسلوب السخرية والتنكيت، الأسلوب التي تعده الراوية ناجعاً، رغم أنه يصور الفكر الإرهابي على أنه مفرغ من شبهاته القويّة، وتكفي مجرد السخرية الجدلية لمغالبته.
وفي سياق آخر تتعامل البطلة بميكافيلليّة ظاهرة مع أعراف قبيلتها، فهي تستاء قيميّا مما يضرها شخصيا، وتستغلّ العرف في مواجهة الآخرين حين يكون في صالحها، دون أن تتساءل عن أخلاقية ما تصنع، يتضح ذلك في استغلالها لسطوة أخيها على زوجته لإلحاق الرعب بها في كل المناسبات التي تستدعي ذلك، من خلال تهديدها بإبلاغه عن تصرفاتها التي تشعر أنها قد تضر بأسرتها.
وفيما يتعلق بتفاوت الغنى الوصفي في العمل الذي اعتمد في أغلبه على المونولوجات الداخلية للبطلة ومظاهر الصراع النسوي والصراع العشقي بين الزوج وزوجته، وعلى السرد الوصفي، فقد عُنيت المؤلفة في توصيف وجود بطلتها في "جدة" باقتفاء طريقة ليلى الجهني في "الفردوس اليباب" في توصيف المكان، لكنها امتلكت هويّتها الوصفية المستقلة في وصف مغاني "سبيع"، وجاء وصفها لمدينة الرياض مقتضبا يتسم بتواضع المعلومة.
غير أن ما هو أشد إلفاتا في النص هو جذر الحكاية نفسها؟ لماذا طلّق ناصر نوف؟ نكتشف أن ذلك يحدث كما يجري مصادفة في عالم الوقائع، فابنة شقيق نوف تضيف "ناصر" إلى ماسنجرها، ثم تعرفه بزميلة لها تدعى "تهاني" ليقع في حبها، وعندما تكتشف نوف علاقتهما تواجهه بالشتيمة، ويواجهها بالاعتراف، ثم تتمادى في شتمه فيطلقها الطلقة الثالثة، قصة يوميّة مشابهة لما يجري يوميا تحت سقوف المنازل، لكنه يجري تحت السقوف ليهدم سقف كيان الأسرة ويهوي على الأرض فلا يبقى منه إلا هباء الذكريات وحنينها، ويظل تساؤل المرأة العاطفي رغم خسارتها يحوم في عوالم من مفهوم استعادة الكرامة: من الذي سيضحك أخيرا؟ أنا أم الرجل الذي قذف بي على قارعة الطريق؟
أضف تعليقاً