في عمل هو الأقصر روائيا حتى الآن، من حيث استقراء شامل قمت به على الروايات السعودية التي تمكنت من الاطلاع عليها تخرج الكاتبة عزة السبيعيّ بروايتها التي عرفت عليها القارئ السعودي "ما لم تقله نوف".
وإذا ما تجاوزنا العرف الكمي للرواية -وهو ما يجب تجاوزه- الذي يقتضي في عدد من التقعيدات الأكاديمية أن لا تقل عن 10 آلاف كلمة، حتى لا تشتبه بالنص القصصي الذي يعد قصيرا في طيلة القرن الـ19 عشر وحتى منتصف القرن الـ20، فإن ما ينبغي أن نلتفت إليه هو جذور هذا العمل، وكيفية اشتغال الكاتبة عليها، لتتحول إلى عمل سرديّ يستحق إضاءة جوانب عدة منه.

الجذر الأساسي لرواية ما لم تقله نوف، هو مجموعة من الخواطر المتعلقة بمونولوج داخلي لفتاة مطلقة تتحسر على فقدان حبها، وتحاول تعويض خسارتها بمنظومة من المونولوجات الغنائية التي تحتفي بالبيئة الريفيّة لقبيلة "سبيع"، بدأت المؤلفة نشره قبل 5 أعوام في جسد الثقافة في موضوع بعنوان: أنا لي معاه حكايات وحكايات.

وما يهم القارئ في هذا الصدد هو اشتغال الكاتبة على تحويل عدد من الخواطر المتعلقة ببيئة قبيلتها ومغانيها ومآثرها وعاداتها وموروثاتها الشعبيّة شعرا ونثرا وحكايات إلى عمل سردي يغوص في أعماق الأنثى، ويرصد نشدانها للخلاص ضمن المنظومة القبليّة والعرف القبائليّ، لا عن طريق كسره وتجاوزه كما هو مرتسم في أغلب تجارب القصة والرواية النسائية السعودية.


فما الذي لم تقله نوف في مجتمعها وقالته لنا في الرواية؟ 
تحاول الساردة في روايتها أن تصوّر لنا أن نشدان المرأة للخلاص من خلال تجلدها أمام فقدان الحب الأكبر، ومحافظتها على كبريائها واستعادتها لاحترام ذاتها- هو الذي يجب أن تقاوم وتفعله دون أن تقوله.

ويتضح من خلال مسيرة الأحداث، وكما هو موجود في الجذر الأساسي المنشور قبل ما يزيد على 4 أعوام من صدور الرواية، أن الرواية هي اقتفاء ينشد الاقتصاص من الرجل الذي يصدم الأنثى في مشاعرها، وتصويره على أنه هو الضحية، وأن المرأة رغم أنها هي من يبكي أولا بعد طلاقها، إلا أنها هي من تضحك أخيرا، والنتيجة بالطبع هي: أن الرجل سيبكي أخيرا.

مفهوم إعادة كتابة النص ولم شتاته كما يصوره لنا ماريو يوسا في كتابه "إلى روائي شاب" ناقلا إياه عن أرنست هيمنغواي هو ما نشاهده هنا، إذ تقوم الكاتبة بلمّ شتات أفكار الموضوع، وتحويل مادته، رغم تناقضاتها ما بين الرؤية المدنية العصرية والرؤية القبائلية إلى رواية يتسيّد مظاهر القوّة والتسلط فيها عنصر "الرجل"، لكنه هو الخاسر فيها في النهاية.

صراع عاطفي محتدم في دواخل "نوف" التي عشقت زوجها منذ صغرها، وعشقها منذ أن رفعها وهي طفلة، وتمادى عشقهما عندما التقيا مصادفة أثناء اختلائه بامرأة منافسة لها على حبه، إلى أن أفضى الأمر، عبر موافقة ومباركة من قبيلتهما، التي لا تعارض أعرافها التقاءهما، إلى لقائهما في عش الزوجية، في حب تحيط به القلاقل المترتبة على نزوات يقترفها الزوج مع فتيات الإنترنت على رغم حب زوجته له.

لا ندري كيف تصل الطلقات إلى الثلاث، كل ما نعرفه هي قصة الطلقة الأخيرة، وأن نوف كانت تعود في كل مرة، غير أنها في آخر الأمر تجلدت وواجهت مصيرها، عبر التماهي مع أسرتها وقلقها على أخيها المتورط في أتون الأحداث الإرهابيّة، إذ يجري البحث عنه وينزل في قوائم المطلوبين للقبض عليهم.

أرادت الكاتبة أن تقوم بما يشبه ما قام به ابن رشد في المواءمة بين الفلسفة والشريعة، بالمواءمة بين الإنسانية المعاصرة والنزعة القبائليّة، وهذه المحاولة معرضة لتساؤل جذريّ: هل نجحت أم لا؟ فرغم أن العمل تخفف كثيرا من سيطرة النزعة المذكورة عليه بعد أن كانت مهيمنة عليه وهي لغته الوحيدة في جذره المنشور سابقا، إلا أنه ترك ندوباً على "منطق البطلة الإنساني"، حيث نجد أنها تحزن كثيرا وتقف إنسانيا مع طالبة تعمل ضمن فرقة غنائية للأعراس لتحاول قتل فقرها، لكنها تتعامل بأسى لا يليق بالتفجع الإنساني لأشد الأحداث رعبا في قصتها، وهو فقدانها لإحدى صديقاتها التي اغتالها ذووها من أجل فرارها مع "الصانع"، ما يثير تساؤلا مهما: ما الفرق في عرف القبيلة بين هروب ابنتها مع "صانع" أو "رجل أصيل"؟ نجد أنه لا فرق من حيث العرف، فالفتاة التي هربت سواء مع "صانع" أو "قبيلي" هي في النهاية فاقدة الشرف عرفاً، غير أن العمل يتجاهل ذلك، ويضفي صبغة خرافية على التستر على جريمة القتل، مقترحاً أن الوسط الاجتماعي تقبّل أن الفتاة التي أعدمها ذووها اختطفها الجن، ما يعيد إلى ذاكرتنا مبالغات المحيميد في روايته في فخاخ الرائحة، وتحديدا في فصل طفل القمر، حيث تقتنع الأسرة الحجازية البسيطة، بأن بطن فتاتهم المتكور إنما هو ناتج عن تلاقح بريء جرى بينها وبين القمر.

على هامش الأحداث يبدو الزوج "ناصر" شخصية أسطورية مستعصية على الغلبة، تتنافس عليه نساء القبيلة، ويوقع أعتى الفتيات في حبه، ويسطو على المرأة في كنفه، ويمتلك فكرا تحرريا في الوقت نفسه لا يمر قطاره بمحطة زوجته التي يخونها أمام عينيها، وهذا الـ"ناصر" يقف في مواجهة فكر شقيق البطلة "سعود" الإرهابي بأسلوب السخرية والتنكيت، الأسلوب التي تعده الراوية ناجعاً، رغم أنه يصور الفكر الإرهابي على أنه مفرغ من شبهاته القويّة، وتكفي مجرد السخرية الجدلية لمغالبته.

وفي سياق آخر تتعامل البطلة بميكافيلليّة ظاهرة مع أعراف قبيلتها، فهي تستاء قيميّا مما يضرها شخصيا، وتستغلّ العرف في مواجهة الآخرين حين يكون في صالحها، دون أن تتساءل عن أخلاقية ما تصنع، يتضح ذلك في استغلالها لسطوة أخيها على زوجته لإلحاق الرعب بها في كل المناسبات التي تستدعي ذلك، من خلال تهديدها بإبلاغه عن تصرفاتها التي تشعر أنها قد تضر بأسرتها.

وفيما يتعلق بتفاوت الغنى الوصفي في العمل الذي اعتمد في أغلبه على المونولوجات الداخلية للبطلة ومظاهر الصراع النسوي والصراع العشقي بين الزوج وزوجته، وعلى السرد الوصفي، فقد عُنيت المؤلفة في توصيف وجود بطلتها في "جدة" باقتفاء طريقة ليلى الجهني في "الفردوس اليباب" في توصيف المكان، لكنها امتلكت هويّتها الوصفية المستقلة في وصف مغاني "سبيع"، وجاء وصفها لمدينة الرياض مقتضبا يتسم بتواضع المعلومة.

غير أن ما هو أشد إلفاتا في النص هو جذر الحكاية نفسها؟ لماذا طلّق ناصر نوف؟ نكتشف أن ذلك يحدث كما يجري مصادفة في عالم الوقائع، فابنة شقيق نوف تضيف "ناصر" إلى ماسنجرها، ثم تعرفه بزميلة لها تدعى "تهاني" ليقع في حبها، وعندما تكتشف نوف علاقتهما تواجهه بالشتيمة، ويواجهها بالاعتراف، ثم تتمادى في شتمه فيطلقها الطلقة الثالثة، قصة يوميّة مشابهة لما يجري يوميا تحت سقوف المنازل، لكنه يجري تحت السقوف ليهدم سقف كيان الأسرة ويهوي على الأرض فلا يبقى منه إلا هباء الذكريات وحنينها، ويظل تساؤل المرأة العاطفي رغم خسارتها يحوم في عوالم من مفهوم استعادة الكرامة: من الذي سيضحك أخيرا؟ أنا أم الرجل الذي قذف بي على قارعة الطريق؟