الرواقي
صدرت عن دار جدار للثقافة والنشر رواية "الرواقي" للشاعر السعودي حامد بن عقيل، الرواية التي جاءت في 115 صفحة من القطع المتوسط هي العمل السردي الأول لابن عقيل الذي سبق أن صدر له ثلاثة دواوين شعرية وثلاثة كتب نقدية، وسيرة افتراضية توزعت في ثلاثة كتب هي على التوالي (مسيح – سبينوزا – أماديوس). صمم غلاف "الرواقي" غيلان الرافدين، وحمل غلافها لوحة لتمثال يُظهر صورة جانبية لوجه الفيلسوف اليوناني "زينون"..
جسد الثقافة - 2010
مضى أسبوعان على آخر لقاء بيني وبين الناشر الذي اتصل يطلب أن نتغدى من الغد في مكان عام لكنني اعتذرتُ ودعوته لزيارتي غداً مساءً. أسبوعان، لا بد أن كتابي قد تخلّق. قضيتُ هذين الأسبوعين في مشاهدة الأفلام وزيارة الأصدقاء والجلوس في دريم لاند، والاستماع لذات الأسطونات الموسيقية، فقط حصلتُ من أحد الأصدقاء على اسطوانة ضمت معزوفتين للفرنسي موريس جار، إحداها كانت موسيقى دكتور جيفاغو، أما الأخرى فأظنني سمعتها في زمن لم يعد معي منه إلا قصاصات ذاكرة مجهولة من عصر بالغ القِدم.
يُفترض الليلة أن أنام مبكراً لا لشيء إلا لرغبتي في الحفاظ على برنامجي الذي بدأتُ أتعوده؛ لكنني بعد اتصال الناشر غيرتُ الخطة، لا بد من احتفالٍ خاص وصغير قبل رؤية الكتاب العاشر. يا الله، الكتاب العاشر، "الرواقي"!. لماذا كلما اتسعت دائرتي تُهتُ وكلما ضاقتْ اختنقت، لماذا أفكر أن كل كتاب أكتبه لا بد أن يقفز على سابقه وأن يتجاوزه دون أن أفكر بكتابة ما يمثلني الآن، لماذا عليَّ أن أواصل البوحَ في وسطٍ متكتّم. وضعتُ قطعة ثلج في فمي واسترخيت على كرسي خشبي يمنحني القدرة على الغياب في هواجسي. أنا الذي عاش عمره لم يفهم، أنا الذي حاول الفهم دون أدنى فكرة حول ثِقل وعيه الذي كلما ازداد نغّص عليه حياته.
ملأتُ كأساً من نبيذي، ووضعتُه أمامي على الطاولة ورحتُ أتأمله. الكاتب كالمغامر الذي حين تنتهي مغامرته بمأساة يلجأ إلى الله، ولكنه يكون قد تأخر جدّاً. ماذا؟، هل يستطيع لصوص النار كتابة كل شيء في كتاب، أين هو هذا الكتاب الجامع؟؛ الماضي والحاضر والفرح والحزن والقريب والبعيد وكل الجهات وجميع الأبعاد والقوة والضعف، كتاب يعتسف اللغة لصالحها هي وليس لغاية الكاتب؟. كأن هذه الليلة تعيدني إلى فرحي وخوفي الذين اختبرتهما عند أول كتاب. اعتقدتُ فقط أن السبب عائدٌ لكونه كتابي الأول، لكن، وكمن يصعدُ نحو المجهول، مع كل كتاب يزداد الخوف ويتعاظم الفرح. الفرح؟، نعم، ولكن بعد أن صار صيغة تشبه الشفقة: "أنا هنا، لا زلتُ أعيش، لازلتُ أحلم، لا زلتُ أكتب، لا زلتُ أكتب"!. أما الخوف فإنه الصيغة الأكثر قرباً للرهاب النفسي الذي يفوق الوصف. الكاتب كمن يقوم بتغسيل الموتى، يستطيع أن يجيد تغسيل الميت وأن يبلغ أقصى درجات الإجادة في ممارسة صنعته لكنه لا يستطيع أن يضمن له الجنة. حين لا يعود الكتاب بين يديك، حين تراه في أيدي الناس فإنك وحدك من يرى جثتك التي قمتَ بسلخها أنتَ نفسك دون سواك.
شربتُ نصف كأسي، ورحتُ أحدّق في نصفه الباقي. لا شيء سوى الدخان فاصلاً بين الأشياء حين أفرّ من قلقي نحو حافة الكتابة، لأجد أني أطل بتوق من الهاوية وأقفز. "الرواقي"، قفزتي العاشرة التي أردتُ أن أقول من خلالها، تماماً كالذي أردتُ قوله في المرات التسع الماضية، أنا لا أكتب لإصلاح العالم ولكنني أكتب لترميم ذاتي الغارقة في العَتمة والوحدة والقلق. قفزتي العاشرة التي أريد أن أنسى من خلالها كل أفكار علم النفس وعلم الاجتماع ووصايا الزمن البائد ومواعظ الآن حول ما سيأتي ونُذرُ ما سيأتي حول كَدر الآن. القفزة التي أريدُ أن تكون في هواء لم يلوثه أحد بأفكار مشوشة كأفكار شوبنهاور ونيتشة التي صنعت هتلر، أو الإرث العربي الذي صنع صدام حسين، أو كأي من أفكار الفلاسفة الذين توهموا أنهم عرفوا الحقيقة فكانت معرفتهم وبالاً. لا أدري لماذا تذكرتُ فجأة فكرة كازنتزاكيس التي أوردها على لسان زوربا حول المثقف حين وصفه بأنه مجرد فأر كُتب. هل لأن الفأر هو الذي خرَّب سد مأرب. بطريقة ما؛ ربما لم تكن الثقافة تعني شيئاً سوى الخراب.
شربتُ ما بقي من كأسي، ثم قمتُ إلى جهاز الدي في دي وأدرتُه، كانت فيروز تهتف: "حبك يا لبنان"، كنتُ أسمعها وأنا متجه نحو الثلاجة لأتناول قطعة ثلج وأضعها في فمي: "وإذا إنتَ بتتركني يا أغلى الأحباب، الدنيا بترجع كذبه وتاج الأرض تراب"، أنا الذي تركتُ وطني لأنني لم أرد الاعتراف بأن مريم صارت بعيداً، كنتُ أظنها ستتبعني إلى الشمال، إلى هناك في مدينة لا يحتاج الحب فيها إلى مواعظ ووصايا وتجارب يتطوع من فشلوا في توعدك بذات الويل والثبور الذي حصدوه. ظننتُها ستتبعني، رغماً عن بؤس محيطها إلى مدينة كبيروت التي اكتشفتُ منذ وضعتُ قدمي على أول رصيف فيها مرارة أنها ليست السعودية. الجنة التي لا تعني لطفولتي شيئاً ولا تحمل رائحة أمي لا تكون جنّةً أبداً، بينما يمكن أن يكون الجحيم مقبولاً، فقط لأنه وطني.
"الرواقي" لحامد بن عقيل :عازف وروائي ومعلم في حياةٍ كأنها سرد
سوزان خواتمي
مدخل:
لا يمكننا الولوج إلى النص الأدبي وفهمه عبر نظامه اللغوي فحسب، حيث لابد لكل نص أن يحتوي موقفاً فكرياً جمالياً، يظهر عفوياً أو عنوة، بحسب مهارة الكاتب، وذلك من خلال البيئة والأسلوب والموضوع بحد ذاته. وقد اهتم جورج لوكاتش من خلال النقد السوسيولوجي بالعلاقة بين النص الأدبي والخلفية الفكرية الاجتماعية السائدة ضمن السياق التاريخي للأحداث.
ولاحظنا في الفترة الأخيرة ما سمي ظاهرة الرواية السعودية واستقطابها لاهتمام الوسط الأدبي والإعلامي، بعد أن ظهرت عشرات الأعمال الروائية بأسماء مستعارة وأخرى حقيقية، احتفى بها القارئ العربي، وإن تباينت سويتها. هذا الاحتفاء له مبرراته، إذا ماأخذنا بعين الاعتبار خصوصية المجتمع السعودي وانغلاقه، على مدى زمن طويل. فقد تميزت الكثير من هذه الروايات، بجرأة الخوض في القضايا الشائكة، ناقدة الأوضاع الاجتماعية ذات الزوايا الحادة، متطرقة إلى أزمة الحريات، معبرة عن القضايا المسكوت عنها، مبدية انشغالاً حقيقياً بالكشف المباشر أو غير المباشر، ليصبح النص الأدبي أداة فاعلة تبدو محرضة على تبني مواقف فكرية إلى جانب وظيفتها الجمالية المعتادة.. هذه المضامين تؤدي في فحواها ونتائجها إلى اختراق الحجب، وإلى فهم معرفي، وكشف خلاق للواقع والمتخيل..
في المتن:
ضمن هذا التصور، نستطيع تناول رواية [ الرواقي] للناقد والشاعر السعودي حامد بن عقيل، والتي صدرت أخيراً عن دار جدار للثقافة والنشر، بـ 115 ص من القطع المتوسط. و[الرواقي] هي الرواية الأولى للكاتب، وإن كانت إصداره العاشر، وفيها تظهر ملكات ابن عقيل بعيداً عن كتاباته في النقد، وقريباً من ميله الفلسفي الذي لم يستغن عنه، فيستخدم في روايته استنطاقاً مزاوجاً بين الرمز والواقع، يبتعد فيه عن طرق السرد الكلاسيكية، فيختار ثلاث مسارات سردية، لثلاث شخصيات (روائي- عازف- معلم) تتقاطع حيوات اثنتين منها "الروائي والعازف" فيما تنفصل شخصية "المعلم" تماماً لتتبنى طروحاتها الخاصة وزمانها الخاص وعالمها الخاص. "الروائي والعازف والمعلم" ثلاث شخصيات تراجيدية تواجه مصائر مأزقية تتصاعد في توترها، ويمسك كل منهم خط السرد وأسلوبيته على حدة، فيبدو" الروائي" غارقاً في عزلة اختيارية في مدينته جدة، يتحدث عن حبيبة هجرته وكتب عنها في مخطوط روايته الجديدة، ويرتبط بعلاقة صداقة مع الناشر والعازف. أما شخصية "العازف" فنتابع تنقلاتها في الأماكن خلال خط زمني يعود إلى ما قبل الستينيات منذ طفولته قادماً من اليمن ليقيم في الطائف، ثم ينتقل إلى جدة، ومعه تنتقل أقداره في الإصرار على أن يكون عازفاً عبر ظروف تبدو مصيرية ومتوائمة مع رغبته وعلاقته مع الموسيقى في حدها الأقصى، وبالفعل ينتهي عازفا مرموقاً ضمن فرقة الإذاعة والتلفزيون السعودي. وتأتي شخصية "المعلم" في خط منفصل زمانياً ومكانياً، عن باقي الرواية، لكنها شخصية مثقلة بالتأملات والفلسفة والأفكار النهائية ضمن مقولات تناولت جوانب الحياة، وتصورات للحاكم والحكمة.
تتماهى شخصية "الروائي" في الرواية مع شخصية حامد بن عقيل ذاته، ليس بفعل تصوراتنا للامر، لكن بحسب إرادة الكاتب التي فرضها علينا من خلال ماجاء في الفصل الأخير من الرواية، وماجاء فيه عن الأصداء التي خلفها نشر روايته الرواقي والانتقادات التي تعرض لها، والتساؤلات عن هذا وذاك من أحداثها، ليخلق نوعاً من التماهي بينه وبين الشخصية الأساسية [ بعد أسابيع من صدور الرواقي ، جاءتني بعض تعليقات القراء] ص11.
ضمن الخطين السرديين اللذين عرضنا لهما، يعرض الكاتب مجموعة من الخيبات مع الواقع ومع العلاقة بالآخر، مصوراً البيئة الاجتماعية، وتقاليدها وعاداتها، إضافة إلى المواقف الفكرية معتمداً طريقة القطع والوصل، فلا تنفصل الشخصيات إلى فصول كما المعتاد، بل تأتي ضمن الفصل الواحد مع تغيير فونط الكتابة، فنشعر كأننا أمام كاميرا تنتقل بين عوالم تلك الشخصيات لتنقل تصاعد الأحداث وتوترها وصراعها مع النفس والاحتجاج على الواقع والرغبة المحمومة في الانعتاق.
الزمان والمكان
طبيعة الشخصيات تلازمت مع تنويع في الزمن، ففي حين يأتي الزمن السارد لشخصية الروائي في الآن الحاضر في مدينة جدة متنقلا عبر شوارعها ومقاهيها ومبانيها كمسرح لتنامي الأحداث، يمتد الزمن بين الحاضر والماضي في شخصية العازف بين اليمن حيث ترجع أصوله وبين الطائف ومن ثم جدة ، متناولاً عالم الموسيقى ورموزه. في حين تعود بنا شخصية المعلم بين مريديه في أروقة ومدرسة الفلسفة الرواقية، إلى ما قبل الميلاد فالمعلم زينون الرواقي، والتي تحمل الرواية اسمه، وبحسب موسوعة " الويكيبيديا":
[زينون الرواقي (المشاء) من سيتيوم 333 ق.م-264 ق.م، كان فيلسوفا هيلينياً من مدينة سيتيوم في قبرص وكان ابناً لتاجر وتلميذاً لقراطيس الطيبي. وكان أشهر الشكاكين في عصره باليونان. وعمل زينون نفسه بالتجارة حتى بلغ 42 عاماً، عندما بدأ مدرسته الرواقية للفلسفة. سمي على اسم مكان تدريسه وهو الرواق المطلي وتعني في اليونانية الرواق أو الشرفة، إلا أن الكتب الفلسفية العربية تستعمل "الرواق" وكان تدريسه بداية للفلسفة الرواقية. لم يصلنا أي من أعمال زينون، إلا أنه يُعتقد أنه علّم أن أفضل طريق للوصول إلى السكينة يكون عبر تجاهل المتعة والألم. وكان زينون أيضاً أول طوباوي فوضوي في الغرب، وبالتالي ممهد هام للفوضوية المعاصرة].
الرواقي أو "المعلم" الذي جاء مساره منفصلا في سياق الرواية بطريقة لا تعطي القارئ أي اداة للربط بينه وبين المسار الآخر في الرواية، بل أن غياب أحدهما لا يؤثر لا من قريب ولا من بعيد على الآخر، ولم يترك لنا الكاتب التقاطات او إشارات لعلاقة ذلك الماضي السحيق بالحاضر الآن.
والملفت للنظر، أنه على رغم الدقة المتواخاة في تحديد جغرافيا المكان، والحرص على تنوع الزمان، بقيت الشخصيات الأساسية دون أسماء، حتى الرواقي لم يرد سوى كاسم للرواية لكنه ضمنها هو المعلم فحسب، كما لو جاء ذلك بتعمد دلالي يقصد بها أنه شخصية عامة من الممكن أن تكون أنا أو أنت أو الآخرين، أو حتى العازف، أو الروائي.!.
لا بد من قصة الحب!
جاءت قصة الحب ضمن شخصية الحبيبة بشكلها العام مشابهة لعلاقات الحب التي تقام في مجتمع السعودية وتتناول في جدليتها العلاقات الأسرية المشتتة، وتحفظ المجتمع أمام علاقات الحب التي تبدو مسروقة وغير مكتملة، لكن "مريم" تبدو أيضا شخصية إشكالية، وغير تقليدية فهي تندفع نحو الحب بإفراط، ثم تفاجئنا بخشيتها من فكرة الارتباط، ماجعلها أمام عرض الزواج تختار الرحيل، والانفصال عن حبيبها للتزوج بآخر، قد لايبدو هذا الموقف متسقاً بشكله الظاهري مع رد الفعل الشائع لامرأة عاشقة في ظرف مماثل، لكنه مفهوم ضمن فلسفة جاءت على لسان المعلم [ الأشياء المثمرة هي الأشياء المهاجرة، لاشيء يبقى قاراً دون أن يحمل صفة الماء الآسن ] ص31 ووفق هذا التفسير لايبدو موقفها مختلفاً كثيراً عن قرار الحبيب فيما بعد، حين يرفض إقامة علاقة معها و لقائها بعد زواجها، [ كان من السهل ان انقاد إلى ما تقترحه، إلا إنني خشيت أن تتهشم مريم في ذاكرتي] ص 115، وفي تبرير آخر يأتي من سياق الرواية [ الحب جزء من الحرية، لا يمكن أن تحب إلا إذا كنت حراً] ص 114، أي أن علاقات الحب ضمن جو تنعدم فيه الحرية لا يمكن أن تتوج بنهايات سعيدة معتادة أيّاً يكن شكل هذه السعادة، وقد لا تقود أيضاً إلى الزغاريد والأفراح، كما يحصل في الأفلام.
في الختام:
من خلال إشارات كثيرة في الرواية ينثرها المعلم "الرواقي"، سنكتشف أنه لم يكن سوى معادلاً موضوعياً للروائي ليقول لنا رؤيته لشكل العلاقة بين الحاكم والناس، أو بين الحاكم وبطانته، ولم يكن زينون الرواقي [الذي لم يرد اسمه في المتن بل جاء من خلال الحديث عن غلاف الرواية]، هو المقصود بذاته وإلا فإن ذلك يجعل هنا أخطاء معرفية ضمن العمل. في فقرة جاءت في ص 24 [فالوردة لا تعني لهم أكثر من باقة يلفها البلاستيك لتجوب أروقة المستشفيات ومثل ذلك الشموع ... وكذا علب الهدايا الناعمة المدهشة] إذ من المفترض أن فترة (ق م) لم تكن لتعرف بعد مفهوم البلاستيك والمستشفيات وعلب الهدايا الناعم وربما الشموع أيضاً.. فـ "الرواقي" ماهو إلا نموذج آني يتحدث عن الدولة الحالية وأنظمتها مشيراً إلى المساجد والقيم الإسلامية، ما يجعل الرواقي إعادة صياغة للفيلسوف اليوناني في قالب جديد وناقد، فيُطلقه كرمز لا يمكن كشفه إلا بمزيد من القراءة والتأويل لرواية الرواقي.
كانت [الرواقي] وجبة ذهنية ممتعة، وعلى الدوام أؤيد الروايات التي تتحاشى الإسهاب، وعدد الصفحات الكثيرة، التي تثقل على القارئ وتنافي عصر السرعة الذي نعيشه.
عُظماء الهامش: مقاربة تأويلية لرواية الرواقي
مقدمة:
تناقش رواية حامد بن عقيل: الرواقي ـ الصادرة عن جدار للنشر والتوزيع (2010) ـ إشكالية تهميش الإنسان وتغييبه. وتجعل من المرأة نموذج الإنسان المغيب في مجتمع الرواية، وتحاول أن تصل إلى حقيقة هذا التغييب ودوافعه من منطلقات حضارية وفكرية، فترسم هذه المشكلة على أنها إحدى إفرازات الشكل الهجين للمدينة الذي لا يتمثل مجتمعها قيم المدينة الأصيلة. إلا أن الرواية في مجملها تعطي انطباعا بأن الإنسان يتعلم دوما بعد فوات الأوان، بعد أن تكون المأساة قد جرفته، وحين يصبح فطنا حكيما يكون قد أضاع حياته.
ستناقش الورقة هذه الإشكالية في الرواية، متوسلة بعض المفاهيم التي تزودنا بها الهرمينيوتيكا أو التأويلية، باعتبارها العلم الذي يصغي إلى كل الرموز والإشارات والنصوص والتراث والتحليل.
مداخل عامة:
1ـ تصورات المؤلف للكتابة السردية:
إن الالتفات إلى تصورات الكتاب حول ممارساتهم، يشكل سندا نظريا لأي قراءة تريد أن تبقى مخلصة للنص المدروس، لأن الكاتب يستطيع أن يضيء أكثر من غيره ما يستعصي على التنظير ويتجاوز الأطر المفهومية لتجريب نموذج علمي ما. ومن هذا المنطلق نتعرف على رأي حامد بن عقيل في الكتابة قبل القيام بقراءة نصه.
تظهر بعض مؤلفات حامد بن عقيل النقدية موقفا ناقدا للرواية السعودية، يمكن اختصاره في هذه العبارة التي يقول فيها: ((الحقيقة أنني ضعيف الإيمان بالرواية السعودية... ومن خلال الأعمال التي قرأتها لروائيين سعوديين لا أجد ما يبهج)) . ومرد ذلك إلى أن هناك عدة مآخذ تشترك فيها مجمل الأعمال الروائية السعودية، أهمها: أن أغلب الروايات ((تنتهي أحداثها من أول صفحة!)) . أما الملاحظة الأخرى والأهم فهي ((التفصيل الممل الذي نجده مبثوثا في أعمال روائية تعد من المطولات، حيث تعتبر هذه المطولات القارئ غير جدير بالثقة، ليعمل على فهم الحدث؛ فتقدم له كل شيء بالتفصيل وتكرره إلى درجة تستغبيه فيها وتلفظه خارج العمل تماما ليصبح متلقيا، مهذبا، فحسب؛ يقرأ ويفهم وليس من حقه المشاركة في أن يمارس دورا إيجابيا في تأويل النص وفهمه)) .
هكذا يتضح أن المواضعات التقليدية التي طبعت الرواية السعودية ـ بحسب ابن عقيل ـ تغفل الوظيفة التي يسندها "الأدب الرفيع" إلى القارئ. وللتخلص من هذه التقاليد التي قادت الرواية السعودية إلى حافة الجمود لابد من مراعاة هذه الوظيفة لاسيما أننا نعيش في "عصر القارئ". هذا ما يصرح به ابن عقيل في كتابه النقدي (عصر القارئ) الذي قدمه بوصفه نموذجا في تأويل النصوص الأدبية الرفيعة .
2 ـ الرواقي والكتابة الهوس:
من الواضح أن هناك مستندات معرفية عند ابن عقيل تجعل من كتابه الرواقي مشروعا طموحا لبذر نواة التجديد في الرواية السعودية، وتكوين اتجاه يطور مفهوم القراءة ويبلور دورا واضحا للقارئ. وأول ملامح هذا لمشروع الطموح التي تتبدى في الرواقي هو تخليص النص من أغلال التصنيف الأجناسي، يقول في مقالة صحفية: ((في كتابي الرواقي وصفت شكل كتابة الكتاب من داخله بأنه: هوس الكتابة التي تهرب من قيد التصنيف الجائر ومن أغلال المسميات البائت. لهذا، وبشكل مبدئي، لا أرى مشكلة في طرق أكثر من شكل كتابي ليقيني أن الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية بدأت في التداعي)) . هذا التحول النصي أو الانتقال من بنية النص المغلق إلى بنية النص المنفتح، يؤشر على نوع من الحرية الإبداعية، تحتمل في روافدها إمكانات متعددة للكتابة.
3ـ دوال التشكيل:
أـ التشكيل البصري للنصوص:
تتكون الرواقي من ثلاثة فضاءات نصية أو عوالم سردية متجاورة، تتقاطع فيما بينها وتتداخل أحيانا، فيما تتمايز وتتباعد في أحيان أخرى. وقد وظف النص تقنيات متعددة من التشكيل لتمييز كل فضاء منها، فعلى سبيل المثال، تم تمييز كل فضاء نصي منها برسم كتابي (بنط) مختلف. ولمزيد من الإيضاح نحاكي الطريقة التي رسمت بها في النص في أثناء وصفها:
(كتبت أمالي المعلم/ الملك وحواراته مع من حوله بخط مائل فاتح اللون؛
بينما ميزت سيرة العازف باللون الأسود الغامق؛
أما قصة الكاتب مع مريم فرسمت باللون الفاتح العادي).
إن هذا التشكيل البصري يقدم لنا نفسه كعلامة وسنحاول أخذه كذلك. وبناء على هذا التشكيل سنجعل الفضاء النصي ـ الكاتب مع مريم هو الفضاء الأساسي ولأن مريم محور هذا الفضاء سنسميه بـ"عالم مريم"، ونسمي فضاء العازف "عالم العازف"، وفضاء المعلم/ الملك "عالم الملك".
ب ـ الشخصيات الرئيسية:
الكاتب: هو الشخصية الرئيسية، والسارد الأساسي. وهو بلا اسم لأنه يعرف نفسه بأنه مؤلف كتاب الرواقي. ومن خلال الكاتب نتعرف على أنه يعيش في مدينة جدة، وعلى قصة الحب الفاشلة التي جمعته بمريم في هذه المدينة.
مريم: هي الشخصية الوحيدة التي تأخذ اسما، إلا أننا نكتشف أن لها اسما آخر، هو هنادي. ترتبط مع الكاتب بقصة حب لفترة ثم تنهيها من دون سبب ظاهر.
العازف: فنان جاء من اليمن مهاجرا بعد تعرضه للتعذيب، وبقي مشردا لفترة، ومن خلاله نتعرف على ماضي المدينة، تقدمه الرواية على أنه يبلغ الستين من عمره، دون أن تسميه.
الملك، شخصية مبهمة، لا يحمل اسما، يحكم شعبه لفترة وجيزة ثم يموت في ظروف غامضة، ومن خلال المعلم ـ الصفة المجهولة التي تتكرر مع العازف والملك ـ نتعرف على ما ورد في أمالي الملك من حوارات مع مستشاريه عن التراث الإسلامي الديني والسياسي.
4 ـ الرواقي والتاريخ:
تأتي الرواقي في الترتيب العاشر من سلسة ممتدة في التأليف عند حامد بن عقيل، تنوعت ما بين الدواوين الشعرية والمؤلفات النقدية، وأخرى تأخذ منحى واحدا هو كتابة السير الافتراضية، وهي: (سيرة افتراضية ـ مسيح)، و(سيرة افتراضية ـ سبينوزا)، (سيرة افتراضية ـ أماديوس).
وجلي أن ثمة ميلا نحو كتابة السير الافتراضية للشخصيات، وهو ما يعكس فلسفة خاصة للمؤلف تجاه التاريخ يريد متابعتها في كل كتاب، يقول في الرواقي على لسان السارد: ((لا بد من احتفالٍ خاص وصغير قبل رؤية الكتاب العاشر. يا الله، الكتاب العاشر، « الرواقي ».!.. لماذا أفكر أن كل كتاب أكتبه لا بد أن يقفز على سابقه.. لماذا علي أن أواصل البوح في وسط متكتم..)) . لا تخرج الرواقي في إطارها العام عن قفزاته السابقة من حيث الاهتمام بكتابة تخييلية أو افتراضية لتواريخ الشخصيات، فهي تكتب سيرتين أسطوريتين إحداها لملك والأخرى لعازف موسيقي. والمؤلف هنا يعمد إلى خلق ما يسميه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بـ "الهوية السردية". هذا المفهوم الذي لا يمكننا ضيق المقام من أن نوفيه حقه من البحث، لكننا سنكتفي بإلماعات بسيطة ونحيل على مصادره.
4 ـ المفاهيم والمنهج:
أ ـ الهوية السردية Narrative Identity في واقع الأمر جزء من نظرية سردية واسعة طورها بول ريكور في عدد من مؤلفاته، وهي لا تتحقق إلا بالتأليف السردي وحده حيث يتشكل الفرد والجماعة معاً في هويتهما من خلال الاستغراق في السرديات والحكايات التي تصير بالنسبة لهما بمثابة تأريخهما الفعلي، وما يهمنا هنا هو التركيز على وجهة النظر التي ترى أن كتابة تاريخ الآخرين ((تساعد الذات في فهم نفسها بطريقة أفضل)) .
ولعل استئناسنا بهذا المفهوم في قراءة نص الرواقي يجد سنده في وعي مؤلفها بما تحققه كتابة تاريخ الشخصيات لذاته الكاتبة يقول: ((إن كتابة تاريخ الأشياء والأحداث والبشر ليس بسبب حتمية الاستفادة منها كما يروج المؤرخون، بل لاستبقائها لا أكثر.. أنا لا أكتب لإصلاح العالم ولكنني أكتب لترميم ذاتي الغارقة في العتمة والوحدة والقلق)) .
ب ـ أما المفهوم الآخر الذي نستدعيه من فلسفة ريكور فهو الذاكرة السعيدة الذي يعتبر متمما لمفهوم الهوية السردية، وينطلق من فلسفة خاصة للخير والشر، وهي أن الشر، وإن كان قد حير الفلاسفة واللاهوتيين وشكل تحديا مستمرا لهم، غير أن الإنسان ظل يمتلك استعداده الأصيل للخير. فالشر ليس بنية أصيلة في الإنسان، والمهمة الآن هي تحرير هذا الاستعداد الطيب لعمل الخير في داخل كل واحد منا، وهذه هي الحياة المنفتحة أمام مستقل البشرية .
ولاعتقادنا أن الرواقي تقدم مقاربة فلسفية للإنسان المأزوم تتقاطع مع هذه الفلسفة سنحاول فيما يلي تلمس آثار هذه الذاكرة السعيدة التي تتحقق للإنسان من خلال قراءة سيرة الآخر.
بقي أن نذكر بأنه لما كان التلقي ينقسم إلى لحظات ثلاث متضامة فيما بينها هي:
- لحظة التلقي الذوقي، وفيها يستشعر القارئ جمالية النص منذ الوهلة الأولى.
- لحظة التأويل الاسترجاعي، وفيها يتم استجلاء المعنى انطلاقا من المبنى.
-لحظة الفهم أو القراءة التاريخية التي تعيد بناء أفق الاستشراف لدى القارئ، بحيث يصبح النص جوابا على سؤال في زمن إنشائه، كما يلاحظ ذلك ياوس.
فقد رأت المقاربة أن تقتصر على اللحظتين الثانية والثالثة، على اعتبار أن المرحلة الأولى متضمنة في ما بعدها، والمعلوم أن هذا اللحظات متضامة فيما بينها وليس الفصل بينها إلا من قبيل الإيضاح المنهجي. وبناء على ذلك ستنقسم القراءة إلى لحظتين: لحظة تأويل: أي بهذا المعنى المحدد الذي يتعامل مع البنية الأسلوبية ويحاول تفكيكها، ولحظة الفهم: إذ لا مجال لفهم النص، إلا إذا ما أسند إلى بنية أسلوبية يفك القارئ أواصرها لاستجلاء المعنى من خلال التأويل.
أولا: لحظة التأويل
1ـ عالم مريم:
1ـ 1 المكان والممطر:
أول ما نكتشفه من ملامح العالم السردي الذي يجمع الكاتب بمريم أنه في مدينة سعودية هي مدينة جدة، هذه المدينة التي نتعرف عليها منذ أول سطر في الرواية: ((هذه مدينة جدة، لا نهائية)) . لكننا لا نعلم ما يعنيه السارد بقوله: "لا نهائية" وبعد عدة أسطر نواجه وصفا جديدا يمكن أن يضيف إلى الجملة السابقة إضافة جديدة تجعل منها "قضية": ((المدن الصاخبة لا نهائية)) . فنستدل منطقيا على أن مدينة جدة: صاخبة. وفي مكان آخر يقول النص: ((ما أتعس الحياة إذ تبدأ بنبذنا إلى صخبها)) . بين الجملتين الأولى والثانية نكتشف أن المطر يهطل على المدينة بشدة، على غير العادة: ((هذه مدينة جدة، لا نهائية...اليوم مع سقوط المطر، النادر الحضور هنا... المدن الصاخبة لا نهائية..)) .
وإذا أردنا أن نبحث عن المفردة المفتاح في هذه الجملة ترجح لنا أن تكون "المطر"؛ فهي المفردة التي تتكرر على طول الرواية، ويكفي أن نستشهد بهذا المقطع الذي يأتي في الصفحات الأولى: ((ماذا يعني كل هذا المطر هذا المساء بالذات، انتهيت من الكتابة لتغرق جدة في مطر وحشي من النادر أن أصادف مطرها الذي لا يأتي إلا بهذه الطريقة المفاجئة والحاملة للوعيد..)) . وتتأكد لنا الأبعاد الرمزية لهذه المفردة، علاوة على تكرارها المفرط، من خلال تساؤل السارد: (ماذا يعني كل هذا المطر؟)
لو فكرنا في إحصاء تكرار هذه المفردة وما يحف بها من مفردات كالماء والغرق والطوفان.. لأدركنا سريعا أننا عاجزون عن ذلك؛ فهي حاضرة في كل سطر تقريبا. لهذا نحاول أن نقاربها في سياقها العام لنجده في أغلب المواضع التي ترد فيها يحمل دلالات سلبية، مع أن السارد يخبرنا "بندرة المطر هنا" الأمر الذي يدفع إلى إلغاء التصور الأولي الذي يدعو إلى الظن بأن المطر مصدر سعادة الناس "هنا" بما أنه يأتي مصحوبا بالتهديد والوعيد للمكان: ((.."جدة مدينة ملعونة وسيغرقها الله بطوفان كطوفان نوح" "لا، لا.. نوح دعا ربه ألا يتكرر الطوفان أبداً " "وتسونامي؟" "ستغرق جدة ولكن بهدوء شديد، وببطء، سننام طويلا وحين نستيقظ تحت الماء سنجد أنفسنا مع الكائنات البحرية ونختنق")) . هكذا يزاوج النص بين الماء والهواء، والمزاوجه بين هذين العنصرين مزاوجة رمزية تحيل على ((الاقتحام والعدوانية)) . حسب باشلار.
هذا التهديد الذي يواجهه السارد ليس تهديدا شخصيا من عدو يترصد به، الشيء الذي تؤكده دوال الترقيم والروابط بين الجمل السابقة؛ إذ لا تعكس تلك الجمل حوارا ظاهرا بين الشخصيات بالمعنى المفهوم للحوار بقدر ما تبرز حوارا بين وعيين متنافرين: جمعي وفردي؛ فهناك من يرى أن جدة ستغرق في يوم ما، وستكون ضحية لحبيبها الذي تتربع على صدره بجذل، فيستجيب لخطاب سماوي يأمره بأن يرسل لها "الطوفان" أو "تسونامي" ذلك أنها تعيش انفلاتها الأخلاقي الذي لا يمكن السيطرة عليه.
لا تنفي أنا الكاتب أن مدينته ستغرق إن لم تكن قد غرقت بالفعل وانتهى الأمر لكن لسبب آخر ربما لا يعيه الآخر، ولا يفكر فيه.
إن المطر بوصفه الصلة الوحيدة الرابطة بين السماء والأرض، بعد انقطاع الوحي، قد اتخذ وسيلة لتصنيف الناس إلى فاسد وصالح، وراشد وسفيه. فالسفهاء في وعي الكثيرين هم من منع القطر عن البلاد والعباد. وتحت هذه الذريعة واجه الإنسان أشكالا من العدوانية والاقتحام. وهكذا يتحول المطر رمزا للاستلاب، وفقدان الحرية والكرامة. وهنا نتذكر الصخب الذي يطارد الفرد في هذه المدينة.
في هذا الجو الصاخب ووسط الضجيج يذرع الكاتب شوارع مدينته قارئا متأملا فينقل لنا مشاهد منه تبدو لنا بسيطة وعادية لأننا ألفناها حتى تبلد إحساسنا عن التقاطها، لكنها في وعي الكاتب تمثل صدمة موجعة: ((الحق أن جلوسي الطويل لسنوات متتالية في دريم لاند عودني على القراءة والتأمل في وسط ضجيج..كل هذا التعود المتراكم بمستوياته المختلفة لا يغفل التقاط الضجيج)) . هذه المشاهد التي يلتقطها إحساس الكاتب جعلت من "مدينة الحلم" dream land مدينة تعيسة إلى الأبد ((كل شيء آدمي فيها يرتد إلى الداخل، وربما يموت)) .
حين نتفحص بعض "اللقطات" من هذا العالم نجدها أكثر شراسة لاسيما حين يتعلق الأمر بمريم ورفيقاتها لطيفة والأخريات.
1ـ 2 مريم أو ليليت:
يعترف المؤلف في كتابه "عصر القارئ" أن رمز الوردة أضحى رمزا مستهلكا؛ ((فتعدد دلالات الوردة كصورة رمزية جعلها فاقدة للمعنى، وهي كرمز مُستهلَك لا تمنح للمؤوّل إمكانيّة توظيفها في عمله التأويلي إلا حين يجد من القرائن الأخرى، والمبثوثة داخل النَّص الذي يعمل عليه فحسب، ما يجعلها تنحصر في دلالات محدّدة)) . لكننا مع ذلك نجد هذا الرمز "المستهلك" في مواطن عدة من الرواية، يقول على لسان الملك: ((إنني آسى على شعبي هذا فالوردة لا تعني لهم أكثر من باقة يلفها البلاستك)) . وهناك أمثلة كثيرة أخرى.
إن تأويلنا للوردة على أنها المرأة هو الأقرب لفهم هذه الجملة رغم نصائح "عصر القارئ"، وبالرغم أيضا من توظيف المؤلف لرموز أخرى للمرأة أقل استهلاكا أهمها "القديسة"، و"ليليت" الأسطورية. و" جيني" الفتاة الرعوية..إلخ. بيد أن الجمع بين رمز طريف وآخر مستنفد يتطلب تأويلا هو الآخر. فالمرأة/ الوردة كما صورتها الرواية ضحية لذهنيتين: ذهنية القبلي الذي يعيش في المدينة بجسده ((وكأنه لم يغادر قريته)) . ومثالها الصارخ ما حدث مع الـ((مسكينة لطيفة..تزوجت ابن عمها..ولم ينزل منها قطرة دم واحدة..زوجها لم يبال بكلام الطبيب.. والغشاء المطاطي..وطلقها بعد أيام قليلة من الزواج)) . لتتحول إلى "فتاة إشارات مورس" كما يصفها السارد بعبارة "لطيفة كاسمها"، أو "عاهر"، بتعبير قريبتها مريم، تحتفظ بقوائم طويلة من أرقام الشباب بعد أن كانت ((متدينة جدا قبل الزواج، وتحفظ عشرة أجزاء من القرآن)) .
أما الذهنية الأخرى التي تمارس سلطتها من منطلق آخر، فهي التي جعلت ((دخول الأماكن العامة في السعودية مغامرة بالنسبة لمن لا يحملون وثيقة تقسم في كل مداهمة يقوم بها رجال الحسبة أن حامليها متزوجان)) . وهي تلك التي يظهر فيها ((المكان يعج بالمتدينين الذي سيرون فينا، لو انتبهوا إلى دخولك عندي، فرصةً للجهاد وقمع الرذيلة وسيعلقونك من شعرك في أحد أعمدة النور)) .
إن المرأة/الوردة رغم أنها ضحية الذهنية الذكورية من دون أن يكون لها ذنب فيما يمارس تجاهها إلا أنها لا تمثل النموذج الذي يلهم الكاتب؛ فهي خانعة قابلة للذل الذي تعيش فيه، إنها في حقيقة الأمر "رمز مستهلك"، قانعة بـ "حياة الدائرة" ((كل رفيقات مريم استمعت إلى قصصهن التي لا تختلف عن قصة لطيفة إلا في بعض تفاصيلها. فتياتٌ حالمات وبريئات، جميعهن يعتقدن أن الحياة طريق مستقيمة واحدة منذ الولادة وحتى الممات، إلى أن يتزوجن بطرقٌ غبية ومتشابهة، عندها يدركن أن الدائرة هي الطريق الأصلح لإكمال حياتهن بلا مشاكل. نعم، الدائرة هي أكثر الطرق أماناً بالنسبة للفتيات في السعودية، حين يكتشفن أنهن مجرد ملكية تتناقلها الأيدي، وأن أدق ما يخصهن كفتيات ليس أكثر من جواز مرور بين عالمين، عالم ريبة وظنون ما قبل الزواج، وعالم اليقين المطلق بعد الزواج، هذا اليقين الذي لا يحمل إلا خيارين اثنين، إما أن تكون شريفة أو أن تكون عاهراً، بغض النظر عما كانت تفعله قبل زواجها، أو ما ستفعله بعده)) .
كل ما ترد به المرأة /الوردة حين تمارس عليها هذه الانتهاكات هو الصمت ولا غير الصمت. هذا ما أبرزته الرواية بأشكال متعددة: ((سكتت وكأنها تختار الكلمات..لا تنحاز إلى شيء سوى قطع الثلج التي تأكلها بشراهة))....إلخ .
يعلق المؤلف، في أحد كتبه النقدية، على نص جاء فيه: "تستعيدين صوته: إنني أحب الورود وأنت أجملها. ذاك ما قاله لك سعد يوم كان يغازلك لوجه الحب وحده" بقوله: ((موروثنا الثقافي أنتج امرأة تعيش بيننا بمفهوم منقوصٍ تجاه ذاتها، هذا المفهوم هو نتاج للشعر الجاهلي الذي رسَّخ في الأذهان العربية صورة المرأة التي لا يمكن النَّظر إليها إلا على شكل جسد محض، أو كائن سلبي...مما جعل الشاعر [المعاصر] يزهد في الحلم بامرأة حقيقية على أرضِ الواقع تستطيع احتواء ما يصطفق بين جوانحه من عواطف متأجِّجة، ذلك أن المرأة الحقيقية في وطننا العربي كائن سلبي أردنا له ذلك، وهو استمتع، بالمقابل، بهذا الدّور)) .
إن حلم الكاتب يتجسد في المرأة/ ليليت: ((حين رأيتها لأول مرة تخيلت أن وصف ليليت الوارد في سفر التكوين من العهد القديم قد تجسد أمامي.. المرأة الند التي هربتْ من جنة الله كي لا تخضع لآدم ونظامه الذكوري التراتبي؟. ماذا لو كانت هي هي التي هربت من قيدها حتى لو كان ثمن ذلك أن تتوه في هذا العالم؟ ثم هل أوصلها تيهها الطويل، بعد هذه الأحقاب الزمنية الممتدة منذ آدم حتى هذه الليلة، إلى هذه المدينة تحديداً كي تستعيد آدم من حواء التي نزلت هنا في جدة)) .
يبدو أن العطش الملازم للكاتب، الذي عبر عنه النص بأشكال مختلفة، كالتغني بكلمة المطر في كل لحظة، وإدمان التهام قطع الثلج.. عطش فطري للحب لن ترويه مريم/ الوردة التي لا تعرف سوى طريقة واحدة للزواج هي الطريقة الدائرية، هكذا عاشت مريم ـ هنادي في مدينتين وتحمل اسمين مختلفين، تمارس الحب في الخفاء باعتباره علاقة عابرة وتظهر أمام الناس قديسة. أما الارتباط الحقيقي فليس مع من تحب: ((قالت لي أختي إن زواجاً كهذا سينتهي بالطلاق، وأكدت الكلام ذاته لطيفة التي قالت إن الزواج عن حب في السعودية مجرد خرافة ستتحقق إن طلعت الشمس من مغربها)) . هذه مريم/ الوردة ضحية هذا العالم البائس إن ((مريم واقعة تحت سطوة آراء رفيقاتها اللواتي صنعن أغلالهن بأيديهن)) . وهذه الأغلال هي التي قادتها إلى "الانتحار" ((كانت مريم لا تدري ما الذي تفعله، ولا السبب الذي يدفعها إلى الانتحار، كما أنها انتحرت دون أن تطلب غفرانا من أحد)) .
لا تقل فجيعة الكاتب بانتحار مريم، وإن كان انتحارا رمزيا، عن فجيعته في أرض الأحلام، هذه الأرض التي لا يمكن أن ينبت فيها الحب: ((إن الحب جزء من الحرية، لا يمكن أن تحب إلا إذا كنت حرا)) .
2ـ عالم العازف:
يتناول هذا الفضاء سيرة عازف يمني قدم إلى السعودية، هاربا من جحيم واقعه. ولعلنا نتساءل: لماذا يكتب المؤلف سيرة عازف موسيقي؟ ولماذا اختار مفردة العازف تحديدا من بين جميع المفردات الدالة على محترف الموسيقى كالمغني أو المنشد أو المطرب، أو الفنان... حين نعود إلى المعاجم لنبحث في الجذر: (عَزَفَ) نجد أن ثراء دلالاتها وارتباطها الشديد بموضوع الرواية يعفينا من سرد الكثير من التفاصيل؛ فيكفي أن نلاحظ أن من معانيها:
((ورجل عَزُوفٌ عن اللَّهْو إذا لم يَشْتَهه، وعَزُوف عن النساء إذا لم يَصْبُ إليهنَّ... وعَزَفَت نفسي عن الشيء تَعْزِفُ وتَعْزُف عَزْفاً وعُزُوفاً: تركَتْه بعد إعْجابها وزَهِدَتْ فيه وانْصرفت عنه. وعزَفت نفْسُه أَي سَلَتْ.. عزَفتْ نفسِي عن الدُّنيا أَي عافتْها وكَرِهَتها،.. والعَزُوف: الذي لا يكاد يَثْبُت على خُلَّة؛ قال:
أَلم تَعْلَمِي أَني عَزُوفٌ على الهَوى إذا صاحبي في غير شيء تَعَصَّبا
واعْزَوْزَفَ للشرِّ: تهيّأَ)) .
لقد احتضنت هذه المفردة وحدها قدرا هائلا مما أراد الكاتب أن يبوح بها، فنحن نعلم مما سبق أن الكاتب قد زهد في مريم/ الوردة (الإنسانة) بعد خذلانها له، وانصرفت نفسه عن جسدها ليرتمي إلى الأبد في حضن مريم/ ليليت (الأسطورية)، وإن لم يخل هذا التحول من عذابات القلق، وألم الخيبة والصدمة. لكن هذه الأوجاع دفعت الكاتب إلى البحث عن حقيقة انتحار مريم وهجرانها له. مما أوصله إلى حقيقة أشد إيلاما وهي أن انقيادها للآخرين وعدم مقاومتها هو الذي فاقم مشكلتها فشرع يبحث عن ملهم بديل، على أن لا يغيب صورة مريم عن ذهنه.
ليست براءة الأطفال فقط هي ما تتقاسمه مريم مع الموسيقى بل المصير أيضا، إن العالم القبيح الذي أسكت مريم أخرس، في الوقت نفسه، لسان "العجوز الفاجرة". هذا ما يقوله المؤلف في كتابه الآخر (سيرة افتراضية: أماديوس). هناك نقرأ حكاية الموسيقى: ((كان حثها شيخ القرية: اخرجي كي تمطر؛ أطفالنا جياع ونحن نتألم)) . لكن حكمة الشيخ أهدت إلى أطفاله الجياع مزيدا من ((القيظ بديلا عن الموسيقى المحرمة)) . وفي الرواقي نجد لهذه الحكاية تتمة: فأصبحوا يطربون للنغم القادم من ((محلات التسجيلات الإسلامية، ودهن العود)) . ويشربون في صحوتهم الحليب الذي توزعه الدبابات . لم يعلم "جنود الإمام" أنهم حين يتقربون إلى الله بذبح الموسيقى إنما يستعجلون الطوفان.
لكن الموسيقى وإن أشبهت مريم/ الوردة في بعض صفاتها إلا إنها ليست مثلها تتلذذ بعذاباتها في صمت مازوخي. لقد حلت فيها روح مريم/ ليليت "الوحشية" القاتلة ((هي ذي الموسيقى؛ قتل خاص جدا)) . حين نحاول أن نربط بين الموسيقى والقتل والتعلم، نجد الكاتب يقول في سيرته الافتراضية: ((يدرك من يهتم بالمطلق..كيف كانت تصعد روح مؤلفها إلى السماء بشغف وكآبة. الموسيقى التي تحول كل نقش سريالي إلى حصن يقف في وجه التدمير، وتقتل كل عبث على هذه الأرض في سبيل بعث السلام في أرواح الموتى)) . تقوم فلسفة الموسيقى على الرفض المتوحش، إنها تحصن الفرد ضد واقعه الظالم المجحف، يكفي أن يردد مع الموسيقى: ((لالا..لالا..لالا)) .
نستطيع الآن العودة إلى سؤالنا الذي أبقيناه معلقا: لماذا كتبت سيرة العازف؟ يقول النص: ((لأستعيد النموذج الأسطوري للإنسان الذي حلم به هذا الموسيقي المتطرف، حين يصور ذلك الإنسان الذي يضحي بسعادته في سبيل الفكرة التي يؤمن بها)) .
لعل ما يجعل من العازف معلما هو أنه يمتلك رسالة تحرر الفرد من قيود الواقع، ولذلك كانت سيرة العازف جديرة بأن تنقش "ببنط" مختلف عما حولها، ولن يجد القارئ عناء في تفسير هذا النقش المتميز فالنص يدله على أسرارها: ((ولأفض أسرار عمارة البنط وصل بي الحد بأن عرضت على حارسها خدماتي، بأن أقوم بمساعدته في أعماله دون مقابل، لثلاثة أيام كنت أفتش في طوابقها عن سر هذا البناء المتعالي، ومن خلال مصعدها تعرفت على مظهر من مظاهر البذخ الذي لم أكن أتصور وجوده ولا الكيفية التي يعمل بها، كنت في بعض المرات أضغط على مفتاح أحد الأدوار وأخرج من المصعد؛ لأتأمله من الخارج وقد بدأ الصعود!)) . إن الموسيقى تخلص الفرد من شرور نفسه بأن تعلمه معنى (التسامي) على أوجاعه الشخصية والتضحية برغباته الحيوانية، لـ((نفقد أجسادنا في الموسيقى)) ونبدأ في التفكير في القضايا الكبرى.
بقي أن نعرف من هو العازف الذي تجنب النص تسميته باسمه، ودلالة عدم التسمية وهو ما نبقيه إلى مرحلة لاحقة.
2ـ عالم الملك:
تستحضر الرواية شخصية مبهمة لملك تسامت نفسه عن ملذاتها الشخصية وراح يفكر في القضايا العظمى لبلاده وشعبه. حتى أنه كان يحاول حمايتهم من الشرور البعيدة عن جغرافيتهم، وفي غمرة انهماكه في دفع الشر عنهم كان يسائل نفسه عن معنى الخير ومعنى الشر. وما الشيء الذي يعد مقابلا للسلام؟
هذا التفكير الفلسفي هدى الملك إلى اكتشاف سطوة التراث على الفرد في مجتمعه، ولاحظ أن هناك من يسعى إلى فرض وصاية على الذات لأن تبقى منغمسة في هذا التراث؛ لكي لا تتحول إلى غريبة عن محيطها وعالمها. فرأى أن يخلص الإنسان من هذه السطوة بأن يقحم شعبه في أتون حرب من نوع خاص: ((نقض معتقدات الناس بسهولة لا يتأتى لملك، إذ لا بد لي من اختلاق حروب كثيرة تجعلني أضمن دخول أفراد الشعب تحت عباءتي)) . وليست هذه الحرب سوى حرب الأفكار المضللة مهما كان مصدرها.
من البديهي أن نلاحظ أن الشعب المفكك هو الذي يتدافع فيه الأفراد نحو الانتحار. أما ((أن تنتحر سيدة تمتلك كل هذا المجد لأنها لم تعتد تحتمل الحياة)) فهذا دليل على أن الشعب لا يعيش في سلام، مهما غرته أوهام العافية. لكن مشكلة هذا الشعب أنه لا يهتز لانتحار امرأة. فمن أوصله إلى هذا الحد؟ ومن جعل منه ((الشعب الأبله)) الذي لا يتأمل ولا يسأل؟ ((إنهم أقل شأناً من التفكير بهذه الطريقة: ماذا لو؟)) . تمثل هذه النبرة الحادة انتقادا لأسلوب حياة لا تحضر فيها الأنا المفكرة العاقلة.
لو فكر الشعب بطريقة: (ماذا لو) لما أصبح ((يميل لقراءة القرآن بأعين موتاه، ويميل لقراءة محمد بقراءة أثر ما تركه هذا النبي، وليس بما جاء به فعلاً)) . لأنهم لو عادوا إلى تلك النصوص بأنفسهم لاكتشفوا إن الإسلام جاء ليبني الفرد الحر القادر على التفكير والاختيار، وأن الوسطاء حين غيبوا "العقل" غيبوا كذلك حقيقية أن ((محمداً لم يبعث لبناء الدولة، لكنه جاء لبناء الفرد)) . من الواضح أن تغييب هذه الحقيقة، وفرض تأويل واحد للنصوص المقدسة، يحقق مصلحة فئات معينة من المجتمع، احتكرت الدين ووضعته تحت "قبة" لا يكاد يبرحها، ليتحول المصلى ((إلى مجرد قبة تجثو على الأرض)) .
لكن ملكا يحمل هذه الأفكار لابد أنه ((سيدفع ثمنا غاليا لأفكاره)) ذلك أنه ((ما جاء أحد بما ينكره الغوغاء إلا دفع ثمنا له)) .
إن المجتمع الذي لا يعيش "بطريقة ماذا لو؟" لن يسأل نفسه: ماذا لو لم يقتل هذا الملك؟ ولن يهمه أن يعرف من قتله، ولا لماذا قتل؟ هذا ما شعر به الملك في لحظاته الأخيرة، وإدراك هذه الحقيقة كان عزاء الملك الوحيد في مفارقة شعبه من غير أسى، ((إن في قلبي من اليأس أضعاف ما في قلوبهم من الفأل)) . حين لم يسأل الشعب هذه الأسئلة تحول الملك إلى مجرد متشرد عابر تسكع في يوم ما في شوارع هذا العالم المكفهر.
ثانيا: لحظة الفهم
مع أننا لا نغفل التحذير الذي يطلقه النقاد (إيكو تحديدا) من الاندفاع في المقارنة بين العالم الممكن والعالم المرجعي، إلا أن العلامات التي يطل بها النص على واقعنا تمارس علينا نوعا من الإغراء يدفعنا إلى عقد مقارنات ومقابلات بين عالمنا وعالم الكاتب مع أننا لا ندعي الاطمئنان إليها تماما.
سعى التحليل في قسمه الأول (لحظة التأويل) إلى بناء متن حكائي للنص فقسمه إلى ثلاثة فضاءات متمايزة للوصول إلى مرحلة أو لحظة الفهم، فالنص رغم تشابك فضاءاته الفرعية والأساسية يناقش أزمة واحدة هي أزمة الفرد في مجتمع الرواية، ويتخذ من قصة مريم باعتبارها أحد أفراد هذا المجتمع المأزوم مثالا يتعرض لأشكال مختلفة من ممارسات التهميش والتغييب.
اعتبرنا فيه أن الفضاء النصي الأساسي (عالم مريم) يحدد ملامح الأزمة وأبعادها ويضعها في إطارين عامين: بعد خارجي: يضع الفرد في مواجهة مع الآخر، المتمثل في المجتمع والدين والسياسة.. هذا الآخر المتحكم في علاقته مع كل من حوله. وبعد داخلي: يحكم علاقة الإنسان مع نفسه، ويبرز الجوانب التي تتحكم في كيان الفرد، وتخلق اضطرابه الداخلي. أما الفضاءان الآخران فيناقشان المشكلة من جميع جوانبها ويقترحان الحلول. كما أنهما يضعان حدا لزمن الغفلة والتهميش حيث يبادر الكاتب، بوصفه ممثلا لحس المجتمع، لإعادة الاعتبار لشخصيتين مارس المجتمع معهما صنوف التهميش حين تجاهل رسائلهما التي بذرت نواة الفرح في ركن ما في هذا العالم.
1ـ ذاكرة الملك:
الزمن الخارجي الوحيد الذي تحيل عليه الرواية هو الذي يقع بين منتصف الستينيات ومنتصف السبعينيات الميلادية، المنتهي فعليا عام 1975م أي بحادثة قتل الملك فيصل بن عبد العزيز، وهذا الحدث الذي أسكت الموسيقى والفرح، هو الذي جعل المعلم يصر على أن ((يختم حديثه برواية ما حدث معه في منتصف السبعينيات الميلادية، ومع أنني لم أفهم سر اختياره لهذه الحادثة إلا أنني كنت أنصت إلى كل ما يقول:
ـ عام 1975 للميلاد..استمرت دندنتي وأنا أحاول استيعاب ما قاله الحارس، ليقطع أحد كبار منسوبي الحرس الملكي الذي صاح بنا وهو يرتعد خوفا وهلعا: تعزفون الموسيقى وقد قتل الملك الآن؟!)) . فماذا نقرأ في هذا الحدث؟
ليست هذه الإشارة الوحيدة التي تجعلنا نفهم أن الكاتب المسكون بحب مريم والماضي، والفن، والمدينة الفاضلة والحرية، وتحطيم الجدران..إلخ إنما هو مسكون بحب الوطن ((السعودية..التي يمكن أن يكون الجحيم مقبولا، فقط لأنه وطني)) . لهذا كان استدعاء تلك الحقبة مراجعة عميقة للمشهد الداخلي لوطن الكاتب، وتفسيرا للتصحر والانغلاق الذي شهده المجتمع بعد هذا الحدث الجلل الذي لم يقرأ بما فيه الكفاية.
إن المشاهد التي تلتقطها الرواية تذكرنا في كل لحظة بأن الوطن بلا ملك لن يكون جنة الخلد بل هو سجن عالي الجدران. ليس هذا الفهم تبشيرا ((بسيادة الملكية)) ، لأن النص نفاه صراحة لا تلميحا، لكنه تأمل في ما يمثله قتل الملك رمزيا من انتهاك لسلطة المجتمع وسلب إرادة الفرد في آن واحد. في وضع لن ينتفع منه إلا فئة وحيدة، تضخمت سلطتها حتى أوشكت أن تكون، كما وصفها النص، مملكة داخل مملكة، لها ((ملك آخر وشعب آخر)) .
إن قراءة تلك الحقبة تمثل جانبا من الذاكرة السعيدة لهذا الكيان، ولا شك في أن إعادة كتابة تاريخها ينطلق من أمل في تغيير الواقع باعتبار أن الخير هو الأصل دائما.
2ـ ذاكرة العازف:
يختصر النص سبب أزمة الفرد في صمته المطبق، وفي محاولة تحطيم جدران الصمت يعارض الصمت بالغناء، فيكتب سيرة ظلت مجهولة لفنان يعيش مهمشا في محيطه. لو ربط القارئ بين الإهداء وبين السيرة لعدها سيرة الفنان طاهر حسين، وهي السيرة التي لن يجدها في كتاب آخر غير الرواقي. وقد يذهب إلى أن إهداء المؤلف روايته "الرواقي" إلى طاهر حسين اعتراف منه بأن رسالته العظيمة قد وجدت أخيرا من يستقبلها. ولكونها رسالة عظيمة فقد تأخر استقبالها؛ ذلك أن مثل هذه الرسائل تمشي ((بخطوات خافتة لتصل إلى الناس بعد مائة عامٍ على الأقل)) .
في المقابل إن هو لاحظ أن هذه السيرة لا تذكر اسم طاهر حسين في المتن، أي لا تعمد الرواية إلى تهميشه مرة أخرى، فسوف يرتجح له أن الكاتب إنما يكتب سيرته الشخصية، وإن تقنع بقناع العازف، ولعل الكاتب أراد الإيحاء بهذه الفكرة حين عزف عن إدراجها ضمن سلسلة السير الافتراضية التي كتبها. وبهذه الطريقة يندرج الكاتب في زمرة من همشهم مجتمعهم.
لكن الرسالة التي نستطيع أن نقرأها بوضوح هي: أن أي فرد منا يستطيع أن يكون أحد أولئك العظماء، هكذا يعلمنا السرد أن الفرد يستطيع أن يغادر دائرة الغياب إلى دائرة الحضور الأبدي، أي أن يكون "مخلّصا" وعظيمًا. كل ما علينا فعله هو أن نطلق أصواتنا في الفضاء، ولا نستسلم لمن يريد أن يخرس ألسنتنا، ولنتذكر تلك النصيحة الواردة في النص: ((لو تركت لهذا الموقف فرصة لأن يكسرك فلن تغني أبدا)) .
الهوامش والمراجع:
- ابن عقيل، حامد. فقه الفوضى، دراسة نقدية تأويلية في رواية الفردوس اليباب. ط2، (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 2006). ص16.
- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
ـ المرجع نفسه، ص17.
- ابن عقيل، حامد. عصر القارئ ـ تطبيقات نقدية. الطبعة الأولى: (الإسكندرية: دار جدار للنشر والتوزيع، 2008)، ص5.
ـ مقالة: نهاية الأجناس الأدبية، جريدة شمس. متاح على الشبكة http://shms.pressera.com/html/story.php?id=96944
ـ ابن عقيل، حامد. الرواقي. ط1، (الإسكندرية: دار جدار للنشر والتوزيع، 2010)، ص97.
- ريكور، بول. الذات عينها كآخر. ترجمة وتقديم وتعليق: جورج زناتي، ط1، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، 26.
وانظر كذلك: مجموعة من المؤلفين: الوجود والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور. ترجمة سعيد الغانمي. (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1999).
- ابن عقيل، الرواقي، مصدر سابق، 98.
- ريكور، الذات، مرجع سابق، 33.
- ابن عقيل، الرواقي. ص7
- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
- المصدر نفسه، ص 74
- المصدر نفسه، ص 7
- المصدر نفسه، ص 8
- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
- باشلار، غاستون. جماليات المكان. ترجمة: غالب هلسا. (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1984). ص23
- ابن عقيل، الرواقي. ص18
- المصدر نفسه، ص 29
- ابن عقيل، عصر القارئ، مرجع سابق، 98.
- ابن عقيل، الرواقي. ص24
- المصدر نفسه، ص 45
- المصدر نفسه، ص 52ـ 53
- المصدر نفسه، ص 53
ـ المصدر نفسه، ص 78
- المصدر نفسه، ص 82
- المصدر نفسه، ص 54
- المصدر نفسه، ص 56، 87، 98.
- عصر القارئ، مرجع سابق، 168.
- ابن عقيل، الرواقي. ص 30
- المصدر نفسه، ص 97
- المصدر نفسه، ص 114
- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
- لسان العرب/ مادة عزف، موقع الوراق.
- سيرة افتراضية ـ أماديوس. (حائل، نادي حائل الأدبي، 2009)، ص18.
- المرجع نفسه، ص7.
- ابن عقيل، الرواقي، ص 78
- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
- ابن عقيل، سيرة افتراضية، أماديوس. ص14
- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
- ابن عقيل، الرواقي. ص81
- المصدر نفسه، ص 27
- المصدر نفسه، ص 68
- المصدر نفسه، ص 89
- المصدر نفسه، ص 12
- المصدر نفسه، ص 13
- المصدر نفسه، ص 16
- المصدر نفسه، ص 13
- المصدر نفسه، ص 44
- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
- المصدر نفسه، ص 31
- المصدر نفسه، ص 106
- المصدر نفسه، ص 105
- المصدر نفسه، ص 108
- المصدر نفسه، ص 98
- المصدر نفسه، ص 112
- المصدر نفسه، ص 12
- المصدر نفسه، ص 63
- المصدر نفسه، ص 92
ايلاف

أضف تعليقاً