 |
|
لقاء جدار
|
 |
|
|
صفيح ساخن
|
|
|
|
جدار الصحف
|
|
|
|  |
من الصحف: العرب والمقاطعة في مرآة معرضي الكتاب في باريس وتورينو: فابيولا بدوي
|
. . ... |
|
قد يتصور البعض الإشكالية المطروحة خاصة بالمثقفين أو المبدعين العرب على وجه الخصوص. غير أنها، في واقع الأمر، تنسحب على ضمائر المجتمعات بأكملها، وفي المقدمة منظمات المجتمع المدني المعنية بمثل هذه الأمور. الحقيقة أن أول من قام بطرح هذه الإشكالية في الصحف العربية الكاتب والروائي إبراهيم نصر الله، حينما أعلن من عمان (الأردن) عن توجيهه رسالة إلى دار النشر الإيطالية التي قامت على ترجمة كتب له، يعلن من خلالها موقفه الرافض للمشاركة في معرض تورينو العالمي والذي تحتضنه إيطاليا كل عامين، وتشارك فيه غالبية دور النشر العالمية، والذي سيستقبل جمهوره هذا العام في الفترة من 8 إلى 12 أيار (مايو) القادم. وهذه الرسالة جاءت كصرخة احتجاج في مواجهة استضافة المعرض إسرائيل كضيفة شرف احتفالا بستين عاما على قيامها. وحتى لا نقفز على الأحداث، فإن معرض كتاب تورينو في الأصل رشّح مصر باعتبارها ضيف الشرف، ثم تم تغييرها واختيار الاحتفال بإسرائيل للتوافق مع الذكرى السنوية الستين لإنشاء الدولة. وقد شهدت إيطاليا، منذ هذا الإعلان، تحركات من الأحزاب السياسية والجمعيات والأفراد الذين يناضلون من أجل حقوق الفلسطينيين متسائلين عن أسباب تغيير ضيف الشرف من جهة، ومن حيث أن من اللائق استضافة دولة - وجعلها «ضيفا خاصا» - على رغم أن حكومتها لا تحترم الحد الأدنى لحقوق الإنسان وتمارس الإذلال اليومي للشعب الفلسطيني من جهة أخرى. وفي مواجهة رفض مسؤولين من معرض الكتاب في تورينو الاستجابة، بدأ توجه حركة الكتّاب والجمهور نحو المقاطعة، خصوصا بعدما أعلن عن أسماء مجموعة من الكتاب المشاركين في المعرض، وفي مقدمتهم الثلاثة: ديفيد غروسمان وعاموس عوز وابراهام ياهوشواه، والثلاثة صهاينة، في الوقت الذي رفض فيه الشاعر اليهودي أهارون شبتاي المشاركة في المعرض وطالب بحذف إسمه من قائمة المدعوين، معتبرا أن إسرائيل كيان عنصري وأنه لا يرغب في أن يكون ممثلا له. ثم فوجيء كافة المراقبين بأنه في الوقت الذي بدأت فيه اتحادات الكتاب في الأردن وسورية ومصر مخاطبة المسؤولين عن معرض تورينو وإعلان مقاطعتها له في حال الإصرار على الاحتفاء بقيام إسرائيل، مما يعني الاستهانة بكافة المشاعر العربية، أعلن صالون باريس للكتاب والذي سيفتتح أبوابه للجمهور خلال آذار (مارس) المقبل، أي قبل معرض تورينو، استضافته لإسرائيل كضيفة الشرف هذا العام. تحركات كثيرة ومكثفة تقوم بها الآن بعض الشخصيات التابعة لأحزاب بعينها في كل من باريس وتورينو إلى جانب منظمات وجمعيات مدنية من أجل مواجهة الحملة المضادة التي بدأت تتصاعد، مؤكدة أن المطالبة بمقاطعة معرض الكتاب في باريس وتورينو ما هي إلا نوع من معاداة السامية، وتحرك ضد كافة مبادىء حرية التعبير والكلمة. هكذا أصبح من الصعب على كل من يدافع عن أبسط الحقوق العربية، أو يتصدى لدولة هي في ممارساتها ضد كافة معايير حقوق الإنسان المتعارف عليها والمعترف بها، بل ضد المنهجية الحقيقية التي تقوم عليها معارض الكتب في العالم من حيث هي منابر للتعددية والتنوير، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بإسرائيل، على وجه التحديد، أن لا يساء فهمه ويتحول، بين ليلة وضحاها، من ضحية إلى متهم بالعداء للسامية وحرية الرأي والكلمة والتعبير. بل إن ردة الفعل الأولى لمدير عام النشر في معرض تورينو، خلال الرسالة الطويلة التي وجهها لوكالات الأنباء، يؤكد هذه المعاني بشكل مباشر لا لبس فيه، حيث جاء في الرسالة: «أود أن أوضح أمرا مهما، وهو أن البلد حينما يستضاف في معرض تورينو الدولي للكتاب فهذا يعني دعوة كتابه ومفكريه وعلمائه ومؤرخيه وشعرائه وموسيقييه وكل أولئك الذين يسهمون في رسم الصورة الثقافية للبلاد على اختلاف الأطياف والمشارب. وهذا ينسحب على إسرائيل التي تنهض على ثقافة منفتحة أثبتت استقلاليتها عن المتغيرات السياسية»، وأضاف في فقرة أخرى من الرسالة نفسها أن «مطالبة كتاب سواء كانوا أردنيين أو غير ذلك بحظر كلمة كتاب آخرين في محفل حر للتقابل يشكل مفارقة فريدة»، ومضيفاً كذلك: «يحدوني الأمل في أن يكون ما جرى ناتجاً عن لبس أو سوء فهم»، ثم استطرد: «أما إذا لم يكن الأمر كذلك فلا شك أن هؤلاء الكتاب ينتحلون هذه الصفة (...) فالملاذ الوحيد الذي بقي لنا في عصر يتجاذبه العنف هو التقابل والحوار والبحث المشترك (...) كل من يقف في وجه هذا السبيل إنما يتصدى للإنسان ويسعى إلى إحداث مزيد من الكوارث». هذه الحملات التي تقوم بها إسرائيل الآن وتتبناها بعض الجهات الغربـيـة تـتـصاعد على الرغم من تأكيد كل من تحرك من أجل تكثيف حملة المقاطعة على أن انتقاد اختيار هذه الدولة «كضيف الشرف»، ليس من أجل منع الكتاب والمؤلفين الإسرائيليين من الكلام أو حتى للبحث معهم أو محاولة حرمان من حرية التعبير «بمقاطعة الكتاب الإسرائيلي». بل لأن الواقع يقضي ذلك وضمير جميع النـساء وجميع الرجال - وليـس فـقـط عنـد الفلسطيـنـييـن أو العـرب - يملي المقاطعة لمعرضي كتاب يستضيفان بلدا لا يحترم حقـوق وكرامة الشعوب. غير أنه، نتيجة لهذه الاستهانة بأبسط المشاعر الإنسانية، بدأ الأمر يتجه إلى العنف، حيث قامت منذ أيام قليلة مجموعة من الشباب الإيطالي النشط في الحركات اليسارية، باحتلال مقــر مؤسسة معــرض الكتــاب الدولي في تورينو، وقامت برفع العلم الفلسطيني وبعض الشعارات المنددة بالممارسات الإسرائيلية في فلسطين، وأصرت على عــدم مغــادرة المبنى قبل الرجوع عن هذه الدعوة، ولم يحسم الأمر إلا بتدخل قوات الشرطة ومكافحة الشغب. وهكذا يزداد الأمر سوءا. ويبقى ما سيحدث في معرضي الكتاب سواء في باريس أو تورينو شاهدا على أن هذا التجاهل السلبي من المجتمع الدولي إزاء ما يحدث للشعب الفلسطيني، يتنافى مع الحد الأدنى من حقوق الشعوب التي من الضروري أن تنطوي على وعي بالقيم والكرامة والمبادىء، المحرّكات الحقيقية للضمير العالمي.
كاتبة مصرية مقيمة في فرنسا
الحياة - 21/02/08//
|
| |
|