كيف كان هؤلاء ينشطون ضدك خارج حدود السفارة هل كان لهم تأثير في ألمانيا بعلاقتك مع الجمهور الألماني ؟
**سأروي لك جواباً على هذا مافعله أحد البعثيين السوريين في المدينة الألمانية التي يقيم فيها. كان ذلك في أول طريقي إلى العلنية الأدبية في المانيا في مطلع الثمانيات. كنت آنذاك أطبع كتيباتي الصغيرة في دار نشر صغيرة أفلست فيما بعد. وبدأت بجولاتي للمحاضرة لكي أعرف القراء بكتبي بعد أن أطبقت عليها الصحافة الثقافية جدار الصمت وهو من أكثر أدوات النقد المميت فعالية. وقد كان وقتها يأتي الى محاضرتي من 10 إلى 20 شخص لا أكثر (وذلك بعد سفر مسافة 500-700 كم). تلفن البعثي قبل يوم من المحاضرة للمكتبة وأعلم مديرتها التي لم تكن بالكاد تعرفني أنها أخطئت بدعوة رفيق شامي فهو غير مرغوب فيه لدى كل العرب في المدينة (ليتصور كل قارىء بهدوء هكذا إساءة للثقافة العربية أمام الملأ) وهو ينصحها بإلغاء الدعوة والمحاضرة لأن "العرب" سيأتون ويكسرون القاعة فوق رؤوس الكاتب وجمهوره. منع يومها العقد المبروم بيني وبين المكتبة إلغاء المحاضرة لكنني لاحظت إضطراب المديرة حين وصولي. وكدت أظن أن الأمر مجرد حالة نفسية. كان عدد الحاضرين كالمعتاد بحوالي 20 شخصا. المحاضرة سارت على أحلى مايرام والنقاش كان جادا ومفيدا لكل الأطراف. عندما ذهبنا للعشاء المشترك بعد المحا ضرة تأوهت المديرة بحسرة "لغبائها" كما قالت إذ أنها كانت قد طلبت من أقربائها وأصدقائها إرجاع البطاقات خوفاً على سلامتهم وهي الآن تبينت متأخرة أن أحد "معارفها" العرب قد كذب عليها وقررت الإعتراف الصادق أمامنا وأنها ستعتذر ممن منعتهم من الحضور لأنها حجبت عنهم امكانية التعرف على ثقافة إنسانية كبيرة. تقريبا هذا ملخص ما قالته الإنسانة بصدق وشجاعة واعتذرت مني. قبلت اعتذارها بشرط تسمية الشخص أمام الحاضرين وتبينت فيه إسم أحد المخبرين والمترجمين السيئين الذين يتعيشون من السفارة السورية.
هذه المكافحة السرية فقدت عندي كل مفعولها إعتباراً من سنة 1989 حيث تقدمت روايتي "حكواتي الليل" كل قوائم المبيعات وترجمت حتى اليوم الى 22 لغة ( رواية رمزية عن الخرس المفاجىء لحوذي كان من أروع المحدثين وكيف أنقذ أصدقاؤه السبعة لسانه ليعود ويغرد في نهاية القصة بأجمل القصص. بالطبع يفشل الرجل السابع – ولولا ذاك لما كانت الرواية روايتي – فالرجل كان خجولاً مُقِل في الحديث لأن والديه ربياه على الخوف من الكلام الذي يكشف حسب رأيهم مواطن ضعف المتحدث ولمعرفة زوجته بهذا الخوف رافقته في الليلة الأخيــرة لتروي قصتها في جو معادي لها إذ أن الرجال لم يشركوا حتى تلك الساعة إمرأة في جلساتهم. الحوذي سليم يومىء لزوجة صديقه مشجعاً أن تسرد ماتريد فتحكي العجوز قصتها لتنقذ بحكايتها لسانه وليشك في النهاية القارىء مع الأصدقاء وكل جيران الحي إن كان الخرس المفاجىء ليس إلا حيلة الحوذي الثعلب ليسمع من أصدقائه قصص حياتهم التي بخلوا بها عليه طوال السنين ).
منذ ذاك العام وقاعات محاضراتي تحجز سلفاً وقلبي مليء بالإمتنان للمستمعين والقراء الذين إستضافوني في قلوبهم وعقولهم. منذ ذاك العام توقفت الحرب السرية ضدي فهي لم تعد مجدية.
بعدها استلم زمام الأمر الفريق الأكثر قدرة والذي يتمتع بمدخل جيد إلى الصحافة العربية الناطقة بإسم الطاغية ولحدود صغيرة جدا إلى الصحافة الألمانية عبر تحالفات مع العنصريين الألمان. مثالان يكفيان: فجأة وبدون مقدمة أو مبرر يهاجمني أحد الأسلاميين المصريين المتمركسين بعض الأحيان والمتدينين بعض الأحيان ( على قولة فؤاد نجم وبصوت الشيخ إمام الرائع) بحقد عنصري لا مثيل له ضد " الشام" وضد "من يكتب بلغة أجنبية" في مجلة "أخبار الأدب المصرية" وثانيهم شاعركردي سوري على صفحات جريدة تشرين العالمية والتي لايتجاوز تأثيرها الرصيف المحاذي لمبناها. وأنا أتساءل إن كان الشعب الكردي قد انتهت كل مشاكله مع السلطة السورية ليلتهي شعراؤه بتجريح صيت كتاب المنفى السوريين.
فاصلة كـ مقهى:
*تكرس اسمك في الالمانية بعد جهد طويل استمر الى الان. اي حوالي ثلاثين سنة. كم –باعتقادك- ستحتاج من السنين لتكريس اسمك فيما لو كنت في سوريا وخصوصا انك تعرف ان الامر ليس ببساطة المانيا!! لان التعاطي مع الالمان كونهم بشر اسهل من التعاطي مع الالهة السوريين ؟
**نحن لسنا آلهـة بل مجتمع كله أنبياء لا يخطئون لكن ينقصنا فقط من يصلح السقف والمزراب. أنا لا أظن أن الأمر كان سيستغرق أكثر من أسابيع ليقر أنبياء الأدب والنقد الأدبي أن قصصي ليست صالحة للنشر وإذا أصريت برأسي اليابس كانوا سيكسروه بكل محبة أخوية لإقناعي أنه من الأفضل لي أن أبيع بندورة بدل هذه المساخر التي أكتبها.
المستشرقون واليسار والـ ... والنظرة للواقع العربي وثقافته
*هل يقتصر ( أعداءك) فقط على العرب الذين ذكرتهم؟ ألم يقف ضدك أحد من اليمين الألماني وأنت كاتب قادم إليهم من خارج ألمانيا ..
بل هناك مجموعة من الكتاب الألمان العنصريين وخاصة المستشرقين والمترجمين منهم، وهناك حلف غير مقدس بينهم وبين فريق من أعداء حرية الكلمة العرب ولهذا التحالف المفاجىء للوهلة الأولى سبب وجيه يجعله بديهي.
ولتوضيح ذلك يجب العودة إلى محتوى ما أكتبه وأسلوبه. فأعدائي ذوي الإنتماء العربي لايهمهم الأسلوب بقدر ما يغيظهم محتوى قصصي خاصة الساخر منها لنقده اللاذع للديكتاتورية ولكل نتائجها. بينما يحاربني قلة من الألمان ليس لما أكتبه في المحتوى بل لأنني لا أتبع تخيلاتهم المحدودة عن شكل وأسلوب أدب الرواية "الشرقي" عموما والعربي خصوصا. لقد حلم العنصريون دوما أن يمارس العالم أجمع رؤية وتذوقا للجمال عبر منظارهم ووضعوا قيما للنقد ومعايير تتفق مع رؤيتهم الأوروبية. الثقافة الأوروبية هي المركز وكل من يريد الحضارة وأشعة شمسها عليه الدوران بفلك نموذجها الأوروبي. لا بأس أن يكون الأمريكي أمريكيا أو أرجنتينيا أو برازيليا ولا بأس أن يكون وحشي بعض الشيء أو عجائبي بعض الشيء لكن العمود الفقري لكل مايعمله عليه أن يبقى أوروبيا. أقول هذا بإختصار شديد. لذلك يصعب على المثقفين الأوروبيين المصابين بعقدة "المركزية الأوروبية"(اليوروسنتريزم) قبول أشكال أخرى للديمقراطية أو الفن أو الإعتقاد الديني أو حتى أسلوب الفرح والحزن الضحك والمحبة. كله له في ذهن العنصريين الأوروبيين مقاييس ثابتة يضعونها هم للعالم. هذا الموقف واضح وكان بمثابة إعلان حرب على كل ما أكتبه وخاصة أسلوبه.
* هل قادك هذا الموقف من النقاد الاوربيين إلى شعورٍ أو موقف عدائي اتجاه الأدب الأوروبي ؟ وهل لك تحفظ سابق على تصورهم هذا ؟
**لا أشعر بأية عدائية فأنا منذ شبابي ولظروف سعيدة تعرفت باكراً على الأدب العالمي بشكل لا بأس به وأعجبت بكثير من الروائيين وحاولت فهم أسلوبهم الفني ولي تجارب متواضعة لم أنشرها موازية لأسلوب همنغوي وجاك لندن ومكسيم غوركي وفوكنر وكافكا. وكنت ولا أزال أعشق الأدب العربي القديم خاصة منه الروايات التي التهمتها بجوع كبير ولا أزال حتى اليوم في منفاي الألماني أحاول الوصول الى كثير من الكتب القديمة. وأكثر ما شد إنتباهي كان الكتاب المقدس بعهديه القديم ( التوراة) والجديد(الإنجيل) ثم روايات ألف ليلة وليلة (الكاملة).
*كيف تأثرت بهذه الكتب.. أو كيف أثرت فيك.. بدقة أكثر مالذي تعلمته منها ؟
**باختصار: ليس هناك أي مانع من التأثر بأي أسلوب لروي قصة ما فالفن ملك الشعوب بأسرها وهو من صنع هذه الشعوب مجتمعة. فالتداخل بين الحضارة اليونانية والمصرية القديمة من جهة والعربية فيما بعد التي هي بدورها تأثرت وأثرت في الحضارة اليونانية وحضارات أسيوية وإفريقية أخرى كبير ومعقد وأصبح من سابع المستحيلات تحديد خطوط فاصلة بين الحضارات. أرفض إذن ومبدئياً الفصل بين "شرق" و"غرب" وهذا بالذات يشكل العمود الفقري للإستشراق والإستشراق المعكوس (وهذه الأخيرة أحق صادق جلال العظم في نقدها).
الشرط الأساسي للتبادل الثقافي هو معرفة الذات والآخر. وهذه بالذات – معرفة الذات – هي موطن الضعف في أكثر كتابنا الذين يخرون، بعد أول إحتكاك مع الغير، راكعين أمامه ويظنوه لذلك عملاقا. نحن لدينا تراث قديم في الحديث والرواية، منجم ذهب مليء بآلاف الأمثلة عن قصص مشوقة ببنية قريبة من فن الحكاية الشفهية التي كانت ولا تزال تأسرني وهنا وجدت مباشرة الجواب على سؤال حيرني لسنين: لماذا يصيبني على الأغلب ملل عندما أقرأ بعض الروايات العربية الحديثة بينما لا أشعر باي ملل من قراءة المستظرف للأبشيهي أو لطرائف وقصص العرب القديمة وللمرة العاشرة. السبب وجدته في تقليد أغلب كتاب الرواية العربية للأسلوب الأوروبي في الحديث تقليدا أعمى. أنا لا أبسط الموضوع إلى حد نكران إمكانية التهجين بين أساليب الحكاية. أنا أنتقد التقليد السائد والذي لا يزال إلى اليوم متعلقا بما هو موضة. المدرسة الفرنسية ثم الإنكليزية ثم الأمريكية ثم الروسية والسوفيتية ثم أخيرا وليس آخرا الأمريكية الجنوبية منذ إقتحام غارسيا ماركيس لغات العالم في "عزلته". سؤالي عن الأسلوب طرحته وأنا لم أتجاوز العشرين وقررت الذهاب في طريقي بحثا عنه وكنت أعلم أن هذا الطريق الخاص بي سيكون طويلاً وعسيراً. أول تعليق حصدته من صديق دمشقي مقرب لي جداً عندما تجرأت وأعطيته قصة تحكي معاناة طفل صغير في مدرسة يطلب منه الأستاذ كتابة موضوع عن سيران( بالعامية الدمشقية =نزهة الى البساتين غالباً مع مأكل ومشرب) فيكتب الطفل كيف تشاجر أبوه وأمه لمجرد طرح موضوع السيران وقد كتب الطفل الحوار ببراءة تضحك وتبكي الحجر وبدل التقدير أعطاه الأستاذ في النهاية صفر لخروج الطفل عن الموضوع. " هل تريد أن تصبح تلميذ شهرزاد؟" سألني. أجبته: "ياريت". شهرزاد التي قاومت الموت بالكلمة وسحر جمال الكلمة وحولت طاغية الى مستمع مرهف، إلى طفل صغير تلعب الراوية بأعصابه. لم يهمني الأمراء والأميرات اللواتي كن يسقطن مغشيات على طوال السيرة لفرط رهافة أعصابهن. لم يهمني قط ما قاله الخليفة الفلاني وما أغدق به على فلان من الجواهر فأدبنا القديم مليء بتلك المبالغات لكن هذا لا ينقص جماليته فنحن كثيرا ما نحكم بعنجهية على زمن كانت مقاييسه وأسلوبه متعلقة بظروف حياة تغبرت ولم نعد نعرف عنها إلا القليل. ومن جهة أخرى منهجية: لماذا هذه العدائية المفرطة؟ هل لأن بعض ما تحتوية آلاف القصص من ضعف بنيوي أو فكري؟ إثارة الأوهام في بعض القصص ورجعية بعضها الآخر ومحافظتها عل ثابت لا يتحول؟ كل هذا قد يكون صحيحاً والنقد محق ولكن من الذي يرفض الأدب الواقعي الأوروبي لمجرد إحتوائه على آلاف آلاف القصص والروايات والمسرحيات المملة والمولدة للوهم كأطنان الأدب الواقعي الإشتراكي السيء أسلوباًً والمضل محتوى ؟ وبين ملايين الصفحات المملة تضيء جوهرة أنتجها فرانس كافكا، بريشت، سرفانتيس، شكسبير أو فرجينيا وولف. هكذا أيضاً تراثنا، هكذا كل فن وهكذا الحياة.
نصحني صديقي الطيب آنذاك أن اترك هذه الحكايات القديمة "فالعصر عصر كافكا وهيمنغوي وشهرزاد ليس لها خبز" قالها بمحبة ورفضت، مسكوناً بسؤالي الخاص: لماذا يفرض الغرب علينا كره ذاتنا وثقافتنا ولا يطرح كره ذاته وثقافته ابداً للنقاش؟
*هل يفهم من هذا اشتققت أسلوبك الخاص من ألف ليلة وليلة و أساليب السرد العربي القديمة ؟ وما الذي ترى أنه ميز أسلوبك بالدرجة الأولى ؟
**ما أدهشني دوما وما كنت أفتش عنه ولا أزال هي الحبكة التي تأخذك معها عبر مئات الصفحات دون أن تشعر. أردت أن أنهب قرائي من أرضهم ومحيطهم وأدخلهم عالم أبطالي الذين ينحدرون كلهم من حي العبارة الشعبي ولا يغادرون دمشق إلا ماندر لكنهم يأتون بالعجب العجاب ويدهشون حتى أعظم سيرك زار دمشق ( وهو موضوع روايتي الصادق الكاذب التي صدرت عام 1992). لم يكن يهمني من أين يأتي معلمي ومعلمتي في البحث عن أفضل أسلوب ومن أية قارة اتعلم أكثر ولكني رفضت قطعا وبإصرار عدائي أن يملي علي كائن من كان كيف علي أن أحدث الناس. فمعمودتيي النارية خضتها في حي العبارة وأنا خريج هذا الحي.
وأنا أعتــقد جازماً أن التفتيش عن أسلوب فريد لكل قصة يستحق أكبر حيز من إهتمام الفنان. فالمحتوى والأسئلة الإجتماعية التي تحتويها قصيدة، قصة أو فيلم أو أغنية أو لوحة ما هي ذاتها لم تتغير إلا بشكل طفيف منذ بدايات المجتمع الإنساني. أنظر الى الأشعار المصرية والصينية واليونانية(خاصة كاتبي المفضل لوكيانوس السميساطي السوري الأصل والذي كتب باليونانية أولى قصص مغامرات الرحلات الفضائية) والعربية والأوروبية القديمة وسترى أنها جميعا تعالج ما لا نزال نعالجه إلى اليوم. ما يحول أي موضوع إلى فن هو كيف نسبك هذا الموضوع أو المحتوى وأنا أعتقد جازما عبر دراسة طويلة لا مجال لتفصيلها الآن أن كل موضوع له شكل واحد فقط يجعله فناً خالداً. ليس مئة شكل بل شكل واحد. رواية زوربا مثلا ليست بهذه الجودة إذا قرأتها باليوناني فهي مكتوبة بيونانية صعبة الهضم وبفلسفة إنتقائية أخذ فيها كازانتزاكيس من كل حديقة فلسفية زهرة وهذا مايعيـبه الكثيرون عليه فهو يظهر في النهاية كونفوشي مسيحي مسلم ماركسي مثالي...الخ. تحسنت الرواية وتحدثت في طبعتها الإنكليزية حيث ترجمت بشكل جيد جداً وأتى الفيلم العبقري تضافرت فيه موسيقى الشعب اليوناني القديمة مع حساسية ثيودوراكيس العظيمة ومع أنطوني كوين وإرين باباس لتجعل من القصة جوهرة فنية خالدة وهي في هذا المثال الشكل الوحيد الذي كان يفتش عن مكتشفه. مقابل ذلك ترى آلاف الأفلام عن أدب عالمي تشوه القصة وتنحدر بها إلى مستوى رخيص أو ممل أو متصنع الخ.. هناك أيضا مئات القصص والقصائد والصور واللوحات عن مأساة القرية الباسكية غارنيكا (شمال إسبانيا) التي دمرتها الطائرات النازيةفي 26 نيسان 1937دعما للجنرال الفاشي فرانكو ولكن لوحة بيكاسو هي الوحيــدة التي حولت الرمز الإنســاني هذا إلى عمل فني خالد. لذلك أعطي التفتيش عن أسلوب لرواية حيزاً كبيراً ولا أترك شيئاً للصدفة والفهلوية.
· كيف كان تلقي الأوساط الأدبية الألمانية لنتاجك.. خصوصاً بعد أن حققت حضوراً ؟
**ازدادت المحافل الأدبية إحتفالا بي وبأعمالي واصدقك القول أنني توقعت الكثير من الحسد ومن هجوم الأوساط الرجعية المعادية للعرب وهذا حصل وما زال يحصل حتى اليوم بشكل محدود. سلاح الأعداء في المجتمع المدني الديمقراطي الحديث هو البحث عن نقطة ضعف فيما تقول وتفعل فإذا لم يجدوا شيئاً لجأوا للسلاح الأكثر فعالية وهو إحكام جدار الصمت على كل ما تنتجه.
المفاجأة الكبرى التى أصابتني من حيث لم أحتسب. عدائية أتت من صفوف المستشرقين وأخصائيي الأدب والثقافة والإجتماع في بلاد الشرق. اغلب هؤلاء الألمان يستطيع قراءة العربية بصعوبة ويتحدثها بشكل بالغ السوء ولا يمتلك وسائل اللغة الألمانية الأدبية اللازمة للترجمة لكنهم ولأنهم عورٌ بين عميان صاروا يسموا أنفسهم "خبراء" الأدب العربي والتأريخ العربي والنفسية العربية لا بل وخبراء في قضية المرأة وفلسطين ولولا خجلهم لأصبحوا أيضا خبراء الفلافل والفول المدمس.
فجأة في خريف 1989 بدأ أحدهم بالتكرار الممل – آملاً أن تصبح الكذبة حقيقة – أن رفيق شامي يكتب بشاعرية قصص خيالية تقدم صورة زهرية بهيجة عن الشرق(لاحظ التناقض الحاد بينهم وبين من يشتمني للإساءة للشرق.لكن متى كان الكذبة يأخذون المنطق بعين الإعتبار؟). وأن هناك كتابا عظماء يقدمون صورة صادقة سوداوية مأسوية عن الشرق ولذلك فهم كخبراء ينصحون الجمهور بقراءة تلك الكتب المهمة جداً. وكانت هذه من أكبر المفاجآت سوءاً.
*لماذا ؟
**المفاجئة كانت كبرى، لأن أغلب هؤلاء الأعداء الجدد ينحدرون من الحركات الطلابية اليسارية المؤيدة للعالم الثالث – كما كانوا يظنون على الأقل – ومن تلك الحركات ينحدر بالمناسبة المستشار الألماني السابق الإشتراكي الديمقراطي شرودر( بكلمته الشهيرة: اليوم أكافح ما كنت أكافح لأجله) ووزير خارجيته يوشكا فيشر من حزب الخضر (أسوأ وزير خارجية في تأريخ ألمانيا تجاه العرب والفلسطينيين.)
بالطبع يمكن على الطريقة الشامية لعن جد جد الذي خلفهم وبالطبع كانوا قلائل ولا قيمة لهم لدى جمهور القراء لكن أثرهم في الدوائر الثقافية كان كبيرا مثل مثقفي السلطة لدينا الذين يتسللون زحفاً وبمهارة ليعشعشون في وزارارت الثقافة والأمية.
كان عدداً قليلاً منهم عميل مباشر للسفارات العربية وأغلب الظن عميل لكلا الطرفيين الألماني والعربي. فالألمان شعب عادي جداً يمكن شراء بعض أفراده. هؤلاء فضحوا أنفسهم بأنفسهم ووفروا علينا العناء إذ صاروا فيما بعد مترجمين لصدام حسين والقذافي ورواياتهم المملة ونالوا على التطبيل والتزمير لهما ما يكفيهم من النقود والإحتقار. بعضهم كان ضيفاً دائما على وزارات الثقافة العربية التي تعج بالكتاب الذين يحلمون أن يأخذ هذا المستشرق أو ذاك عملهم بعين الإعتبار وينقله للغة أوروبية. وبالتالي كان هؤلاء الألمان يشمون شيئا من رائحة السلطة العربية ويظنون أن لهم سلطة ويوهمون من يتكلمون معه من الكتاب أنهم ذو شأن في المانيا. لكن تأثيرهم ألمانيا كان - كما كانت تقول جدتي المرحومة - "مثل الضراط على البلاط" صوت قوي دون مفعول يذكر. لكن رائحته كانت مزعجة. فجأة تجد نفسك في صراع مع بيروقراطيي الثقافة وكأنك في بلد عربي.
*إذا كان نجاحك سببا معقولا لعدائية أعداء الثقافة العربية فما سبب عدائية أناس يدعون أنفسهم تقدميين و يعملون جهدهم ساعين لنشر الثقافة العربية في المانيا ثم يعادون أكثر الكتاب العرب إحتراماً لدى القراء الألمان بدل التعاون معا على إنجاز المهمة الكبرى في الدفاع عن الثقافة العربية؟
**ليست المسألة مسألة إنفصام شخصية ولا يشرحها الحسد وحده ، إنما هناك سبب أكبر وأكثر عمقاً من ذلك بكثير.
*ماهو هذا السبب الأكثر جذرية الذي يفسر هذا العداء ؟
**يصاب الكثيرون من الأوروبيين المثاليين العاملين في ميدان تحرر العالم الثالث (وأقولها بدون سخرية) بخيبة أمل وإحباط عندما يرون موضوع شوقهم ومحبتهم على أرض الواقع.
ورأينا الكثير من اليساريين المان المتحمسين لقضية فلسطين عندما عادوا بعد عدة سنوات من العمل الميداني في بيروت أو الأردن ليصبحوا من ألد أعداء القضية الفلسطينية العادلة أو ليلقوا بكل تسيسهم إلى الجحيم ويعودوا إلى حظيرة العائلة الغنية التي غادروها وإلى الفكر الأوروبي المركزي والذي يرى في صرته مركزا للكرة الأرضية. وإذا كان الشاعر الكبيرهانس ماغنوس أنتسنسبرغر والصحفي اليساري الراديكالي هيرمان غريمليتسا أكثر الألمان يسارية وراديكالية في أواخر الستينيات قد أصبحا اليوم لأسباب عديدة منها إحباط أمالهما في كوبا ومناطق أخرى من العالم الثالث من ألد أعداء العرب والإسلام فإن ما حصل لآخرين في هذه الحركة شبيه جداً وإن كانوا أصغر حجما بكثير من المذكورين أعلاه. مأساتهم تظهر بانقلاب شعارهم اليساري المتطرف:" لنتعلم من فيتنام وكوبا" الى تطرف آخر" كل ثقافات العالم ينطبق عليها مقاييس أوروبا" هذا هو نقطة الخلاف المركزية بيني وبينهم والتي لا يمكن الإلتقاء عندها أو التوافق عليها. ليست المسألة مسألة عناد بل هي مسألة مصير. إما أن نحطم طوق العبودية والتبعية باحثين عن إسلوبنا في التعبير وإلا فنحن هالكون إذا بقي دورنا ليس إنتاج أدبنا بل ترديد ببغائي لرؤاهم وخصي المواضيع وقصقصة أجنحتها لتناسب أسلوب المدارس الأوروبية بالحديث. كل منهم لا يكاد يلم بتأريخ حياة عائلته وينصب نفسه أخصائيـاً في نقد الأدب العربي أو النيجيري. وكانت وجهة نظرهم التي صرحوا بها مرارا، في مقالات هشة:إن أهم ما ينتظروه من الكتاب العرب هو مساهمة هؤلاء بما "بعد الحداثة". أو عبر إختيارهم وتشجيعهم عملياً لكل مقلد لأدب الغرب " هذا بإسلوب كافكا وذاك يذكر بتوماس مان أو بلزاك وهذه بسيمون دو بوفوار وتلك بالكاتبة الأمريكية علانة..."
صار الأدب العربي برمته صورة مهزوزة للأدب الأوروبي. وشيئا فشيئا توضحت الخطوط الفاصلة بيننا وإنتقل الحوار من الصوت الهادىء إلى الصراخ. وأتى مهرجان "آفاق Horizonte". إذ لأول مرة تتبرع برلين من خلال هذا المهرجان بمبالغ ضخمة لإجراء حوار بين الشرق والغرب وبما أن الدوائر الرسمية على عكس نظيرتها الفرنسية أو الإنكليزية لا خبرة لها بالشرق أوكلت لأحد هؤلاء " الخبراء" بتنظيم الدعوة لكتاب من الشرق فحقق هذا (الخبير) كل تصوراته الإستعمارية حول الحوار. دعى حوالي 20 كاتباً منهم 9 إسرائيليين 4 مصريين والباقين من بلاد العروبة. واقصى كل الكتاب الفلسطينيين وكل كتاب المهجر والمنفى الألماني الذين يكتبون ويتكلمون باللغة الألمانية. و كيف كان الحوار الختامي بين الشرق والغرب؟ إنه مسخ لكنه يعبر عما يعتقد به هؤلاء: حوار ممل بين الكاتب الألماني غونتر غراس والكاتب الإسرائيلي عاموس عوز عن علاقة الشرق بالغرب. وقد مسحت الصحافة الأدبية الأرض بمنظمي الإحتفال.
هذه هي حقيقة وموقف هؤلاء قدموها علنا لمن يريد أن يتعلم. وهاجمتهم بعنف شديد بمقالات أثارت وقتها حواراً علنياً عنيفاً. وتمت القطيعة النهاية بيني وبينهم ولا تزال حتى اليوم. لم يفتح مثقف من مثقفي السلطات العربية ولا ملحق ثقافي عربي واحد فمه على هذه الإهانة.
كانت نتيجة إحتفال "آفاق" مخزية "للخبراء" فحاولوا تفسير فشلهم بأن رفيق شامي خرب ذوق الجمهور الألماني الذي أصبح لا يريد سوى الشرق الذهبي الذي يقدمه هو وزملاؤه في المهجر. وادعوا أن إقصاء الفلسطينيين كان خطأ "وأما رفيق شامي وزملاؤه فهم ليسوا راديكاليين ولاهم كتاب عرب لكي ندعوهم". فهذا (الخبير ) الذي درس عدة فصول علوم إسلامية ويستطيع بعناء شديد فك الحرف يشتم منفيـين سياسين بأنهم ليسوا راديكاليـين كفاية و يقرر من منا يكتب أدب عربي ومن لا يكتب. قد يثير ذلك الضحك لكن أن ينسى كتاب عرب أقصيوا من الحفل هذا العمل المشين ويعقدوا بعدها صداقات مع هؤلاء (الخبراء ) فهذا مصيبة النفس الذليلة مهما كانت جنسيتها وليس لمثل هكذا خنوع وطن.
حاول هؤلاء ( الخبراء) بكل إمكانياتهم فيما بعد محاربة كل زملاء المهجر والمنفى بترويج دعاية تضحك أي مبتدأ في حقل الطباعة والتجارة بالكتب. رفيق شامي يكتب قصص ألف ليلة وليلة ويدوخ الألمان بلغة جيدة ولكن بمحتوى خطير. وهذا يقولوه وهم يعلمون أنهم يكذبون وينقله بعض العرب دون قراءة كتبي فترى تلك التلميحات تتكرر في بعض الصحف العربية وتيقن عندها أن هذا الناقد العربي ليس حمارا لأن الحمار حيوان ذكي.
*ما هو موقع اللغة العربية ومكانة الأعمال الأدبية العربية لدى الناشر والقارئ الألماني والاوربي بشكل عام ؟
**اللغة العربية تحتل على قائمة أولوية اللغات موقعا منخفضاً. والجرم في ذلك لا يقع على كتابنا بل على حكوماتنا التي تنام منذ عقود ولا تبالي ولا تهتم بالترجمة من وإلى العربية وبشكلٍ عام وضع اللغة العربية كلغة عالمية في خطر. وقبل أن نندب على وضع اللغة العربية والكتاب العربي خارج بلدانها لننظر الى سوء وضع الكتاب العربي داخل البلدان العربية لننظر إلى منع الكتاب العربي من التنقل بين البلدان العربية قبل مطالبة الأوروبيين بإحترامه. أنا أعرف عبر حاجتي الدائمة للكتب أنه من الأسهل لي للتعرف على كاتب سعودي مثلا أن أطلب كتبه عن طريق لندن أو باريس من أن أفتش عنها في البلاد العربية. اليس هذا فضيحة؟
الأدب العربي وضعه في الأسواق الأوروبية مُبكي للأسباب الموضوعية للسوق وللتنافس الشديد والتي نوهت بإختصار شديد عن طبيعتهما كما ولأسباب ذاتية يقع الجرم فيها علينا أولها تأخر عقل ووعي السلطة الديكتاتورية بكل أنواعها وكتابها الأشاوس الذين يخربون يومياً ارضية الفكر والكتاب ليقدموا بعدها تفسيرات مضحكة مبكية ( رحم الله حبيب كحالة) عن سبب عدم إنتشار مايكتبوه.
لقد إقترحت مرة (ساخراً لعلمي أن هذا الذي أقترحه من سابع المستحيلات) تخصيص مدخول البترول في كل البلاد العربية ليوم واحد سنويا للإعتناء باللغة العربية مثلاً للترجمة من وإلى العربية مما سيرفع شأن الكتاب العربي عالمياً ضد كل أعداء الثقافة العربية. بدل ذلك لا تسمع إلا ندباً على ما أسسه اليهود من دور نشر وشركات لإنتاج الأفلام والموسيقى وبدلاً من أن نجهد عقولنا لإيجاد تفسيراً مريضاً عن مؤامرات يهودية لنطرح سؤالا أقرب للعقل وهو ما الذي يمنع العرب من التنافس مع كل الشعوب في هذا المجال بدل الطرق الغبية التي يبددون فيها أموال شعوبهم بدون أية فائدة ؟
إضافة لذلك يجب أن لا نتجاهل أن هناك ضعف رئيسي في بنية الأدب العربي أساسا تعيق إنتشاره. خذ مثالا بسيطا. عندما أقرأ كتباً أو روايات عربية يلفت نظري كثرة الأخطاء اللغوية والبنيوية كما والهفوات الفنية. إنه إهمال شنيع يطبع به كثير من الكتب مظهراً ولغةً ومحتوى. هذا إحتقار للكلمة وكاتبها وقارئها. المسؤوليــة تقع بكاملها على دار النشر. هنا في المانيا تعتبر وظيفــة المدقق والمنقح أكثر الوظائف أهمية في دار النشر. والمنقح ليس مهمته المنع والمراقبة والتشويه بل تخليص الرواية من كل شائبة المت بها لكون الراوي ملتصق بأحداث روايته وقلة من الكتاب تتمتع بموهبــة الإنفصال النقدي عما يكتبوه ليكتشفوا مواطن ضعفه. المنقح يلعب دور القارىء النقدي المشكك بكل شيء وعمله صعب جداً لكنه يخفف عدد الأخطــاء التي سيكتشفها قارىء وفي روايتي الأخيرة التي قاربت صفحاتها الألف لا نزال حتى الطبعة العاشرة نجد هفوات مطبعية. ونجهد في تصليحها ونرسل هداية جميلة لمكتشفيها. ذلك رغم عملي الطويل في هذه الرواية وتنقيح مساعدتي الأخصائية في الأدب ومطالعة زوجتي النقديــة وتنقيح الرواية من قبل منقحين إثنين في دار نشر هانزر أحدهما أفضل منقحي المانيا على الإطلاق وهو مدير دار النشر بذاته ميشيل كروجر الذي أمضى شهراً كاملاً في القراءة ووجد الكثير من الهفوات.
* هل تحسب حساباً لعداء هؤلاء لك ولأقرانك من كتاب المنفى .. هل تخيفك اراء النقاد هذه التي تنشر حول نتاجك الادبي في الاوساط الألمانية ؟
*عدم الخوف من أي شيء ليس شجاعة بل قلة عقل. أنا أخاف من كل شيء ومن عاش طفولة وشباباً كالذي عشناه يعشعش الخوف عميقاً في عظامه. لكن الشجاعة هي أن تعمل رغم الخوف ما تراه حقاً.
خسارتي عبر المنفى كانت جسيمة وهي بالذات تشجعني على مواقفي. أنا خسرت في حياتي رؤية أمي وأبي وحارتي الشعبية ومدينتي الجميلة دمشق ليس لأخاف من هذا المستشرق أو ذاك المخبر وليس لآخذ كلام أي ناقد بعين الإعتبار. لي طريقتي وأسلوبي في الرواية ولي مواضيعي التي تشغل بالي وهذا فقط ما يهمني أما عدا ذلك فلا. لقد وجدت طريقي لأنني لا أسمع لفلان وعلتان وهذا ما لا أنوي تغييره في المستقبل. لذلك لم أهتم بعد ذلك بالصراع العلني بما يفعلوه أو يقولوه.
لكني أسرد ذلك لكي يدرك القراء تحت أية ظروف معقدة إيجابا وسلبا نكتب نحن كتاب المهجر والمنفى.
*ألا زال الموقف النقدي لهؤلاء (المستشرقين ) هو نفسه من الأدب العربي بشكل عام ومن أسلوبك الروائي بشكل خاص ؟
**بعد فشل الموضة الألمانية "ما بعد الحداثة" عاد الألمان من سنوات الى أسلوب الرواية المشوقة التي دافعنا عنها طوال السنين. والآن تخلى الإنتهازيون "خبراء الأدب العربي" عن موقفهم وبدأوا بمدح سندباد وشهرزاد ليس بطريقة أبو علي ياسين الرائعة الذكية بل باسلوب مبتذل أرفضه كلياً. وبرأيي أن للأدب العربي في المانيا مشاكل كثيرة أولها هؤلاء القائمين عليه علاجا وتحليلا وكأنهم في عيادة مريض.
*ماهو مصدر سوء الفهم لقراءة هؤلاء المستشرقين للادب والثقافة العربية بشكل عام.. هل يمكن نسبة هذا إلى أن مصادرهم " إسلاموية " وسطحية ربما ؟
أظن أن النظرة المتعالية نتيجة التفوق الإقتصادي والعلمي توهم هؤلاء أنهم أيضاً يعرفون مايلزم وما ينقص العرب من أدب وشعر وهذا نكتة غير متعمدة وأحياناً مضحك جداً.
*هل تعتقد أن هؤلاء المستشرقين يلتقون عن عمد أو غير عمد مع الإسلامويون. أم أننا نقع في مطب المبالغة إذا قلنا ذلك ؟
**أبدا لست تبالغ. المستشرقون يلتقون مع الإسلاميـين رغم تأكيدهم الدائم الممل أنهم أعداء. والنقطة المشتركة هي أيهام الناس بأن الإسلام كدين يخرج عن كل الأديان وله صفة خاصة تمنع إبعاده لا بل فصله عن الحكم. المستشرقون يزعمون ذلك إحتقاراً والإسلاميون يؤكدون ذلك كصفة إيجابية وسابقة لا مثيل لها. وكلا الموقفان عنصري في صميمه. الأول يحتقر الشعوب الإسلامية ويفترض وجود شيء خفي سحري في الإسلام يؤخر به مجتماعته ناسياً أن الحضارة العربية في أوج تألقها لم تكن على سطح القمر بل في وسط المجتمع العربي. والإسلاميون يدعون أن الإسلام وشعوبه روحانية لا تنطبق عليها قوانين الإنسانية التي أثرت على المجتمعات الأخرى. وكأن الأتراك يعيشون على كوكب آخر أو أنهم أصبحوا أقل إسلاما من يوم فصل كمال أتاتورك الدين عن الدولة. ويذكرني هذا بصورة الإسلامويين في أفغانستان وإيران وسوريا وفلسطين ومصر الذين يرتدون أحيانا طقماً أوروبياً ولكن ويا للفرادة دون ربطة عنق. هذا يا سادتي لم يوصي به أحد سوى إنفصام شخصيتكم.
*كيف كانت ردة فعل هؤلاء المستشرقين على روايتك الأخيرة؟
**عندما ظهرت روايتي " الوجه المظلم للحب" التي حملتها معي أكثر من 30 سنة واستقلبها النقد الأدبي الألماني فور صدورها عام 2004 بكل احترام وعبر قرائي عن حبهم لهذه الرواية الضخمة ورفعوها لثلاثين أسبوع الى قمة قائمة أفضل المبيعات (Bestseller) كما لم يعق حجمها الضخم بيع حقوق الترجمة لأهم عشر لغات عالمية في سنة واحدة. أما العربية فهي ملكي والنسخة العربية ستصدر في وقتها المناسب عن دار الجمل.
عندها لم يبق أمام ألد أعدائي سوى الباب الأخير للهروب إلى الأمام. "الرواية جيدة جدا" قالوا، لكنها "شامي جديد" لا علاقة له بـ"شامي القديم". لم يكن مقصودا في تعبيرهم التجديد اليومي المفروض على كل إنسان لا يريد أن يتحجر ويصبح تمثالا لنفسه. لا، هذا لم يكن ما قصدوه، فعدائيتهم أكبر من الحرص على سلامة تطوري . وقد رددت على سؤال صحفي استشهد بمقولة هذا "الخبير" بقولي رجاءً أن نتكلم ألمانية صحيحة ما معنى "شامي جديد"؟ شامي الذي كتب هذه الرواية يستيقظ معي طوال فترة كتابته منذ ثلاثين سنة ويشرب القهوة وهو يتذكر معي صبحيات دمشق ويكتب معي ويذهب لعند طبيب الأسنان معي يحلم يوميا بالعودة الى دمشق ثم يسقط منهكا وسعيدا في الثانية بعد منصف الليل في فراشه. بربك ما الجديد الذي فيه من جديد؟
ومن المؤسف – وأنا أكرر لدهشتي – أن ينساق كتاب عرب لا يفهمون الألمانية ويكذبون على قرائهم بمقالات ضدي تستند في كليتها على معلومات من أعدائي الألمان. وكم دهشت لبعض الكتاب العرب الذين يتملقون لي عند مقابلة ما ثم أسمع فيما بعد أنهم يهاجمون ما أكتبه دون قراءته.
كتابي الأول بالعربية " التقرير السري عن الشاعر غوته" متوفر الآن في أغلب البلاد العربية فأين دليلهم على تحقيري للثقافة العربية؟
ويبلغ الأمر ذروة مضحكة مبكية عندما ينتقد كاتب فلسطيني عملي الأدبي لكونه – كما يدعي الأخ – لا يعالج معاناة شعبي والتي حسب رأيه الفرويدي التيليباتي – إذ أنه يحللني نفسياً عن مسافة لا تقل عن 3500 كم – نتج عن إبتعادي عن الوطن. ويلمح ويلوح آخر من ابناء العروبة في مجلة " فكر وفن" العنصرية بالجهات التي تقف خلف نجاحي. هكذا وبدون قراءة كلمة مما كتبت. بينما تعففنا عن مهاجمة الأخوة الفلسطينـين في الوسط الألماني رغم كذب بعضهم المحترفخاصة أولئك الذين يحلون ضيوفاً على كل الأنظمة العربية ويخرجون دوماً سالمين غانمين ومثقلين بالهدايا ثمناً للسكوت عن كل ضحايا الإستبداد في تلك البلاد.
*وهل يصيبك ذلك بمرارة خاصة وأن زميلة قالت لي أنك تقوم بالكثير من أجل أطفال فلسطين؟
**مرارتي أصبحت في المنفى وعبر الزمن الرديء محترفة لا تفرز علقمها لهكذا تفاهات صغيرة. فلسطين كما كتبت في إحدى مقالاتي جرح يحمله كل العرب مثل صحرائهم. لذلك يصعب على أي عربي نقد زملاؤه الفلسطينييـن بنفس الصراحة التي نواجه بعضنا فيها. وهذه ظاهرة مرضية. ومن تعافى منها سيُسمع الزملاء الفلسطينييـن يوما نقداً تشيب له رؤوسهم.
هناك مشاريع عدة يقوم بها ناشطون هنا في المانيا خاصة من أجل الأطفال الفلسطينيـين اليتامى التي خلفتهم الحرب الأهلية اللبنانية. أحد هذه المشاريع هو "بيت أطفال الصمود" في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. وقد ساهم اللبناني سعيد أرناؤوط مع ثلة المانيـــة من أطيب البشر معدناً بعمل دؤوب إلى نقل هموم هؤلاء الأطفال الى آذان وقلوب الألمان والسويسريين. ومنذ سنين نقيم حفلة سنوية وإحتفالاً أدبياً لنصرة الأطفال ثقافياً ومالياً وللتعريف بهم وبهمومهم. طبعا هذا كله لا يمثل إلا قطرة ماء صغيرة لهذه الأفواه العطشى لكنه على الأقل قطرة والأنهار والمحيطات تتألف من قطرات.
*هناك مجلة المانية تصدر بالعربية وتدعى "فكر وفن" توزع في كل السفارات الألمانية ومعاهد غوته. لماذا لم نقرأ لك مشاركة واحدة فيها؟
**هذه المجلة إذا دلت على شيء فإنما تدل على الطريق الذي علينا تحاشية عند حوار الثقافات. فوزارة الخارجيــة الألمانية تهدر الطاقات والأموال في الطريق الخاطىء لتنتــج هراءً سطحياً ملونا على ورق مصقول وبإدارة تحرير تكلف المواطن هنا مئات ألوف اليورو سنويا.
كانت هذه المجلة التي بدأت وزارة الخارجية الألمانية بإصدارها عام 1963 تقصد الوصول إلى النخبة العربية لتغريهم بالفكر والإنتاج الصناعي والثقافي الألماني وكانت ولا تزال مصممة للدردشة في صالونات أنيقة أكثرمنها كمساهمة جادة في الحوار. اشرفت عليها خلال حوالي 40 سنة ثلاث نساء هن على التوالي: أنة ماري شيمل و إردموته هيلر و روزماري هول. كانت المجلة مملة ومليئة بالدعاية لألمانـيــا لكنها كانت على الأقل لطيفة وحذرة تجاه العرب وثقافتهم حتى في فترة حكم الحزب الديمقراطي المسيحي الطويلة.
ومع صعود التحالف بين الحمر والخضر للسلطة توقع الكثيرون تحسن هذه المجلة التي توزعها وزارة الخارجية ومعاهد غوته وتوجست الشر ليس لأني أحبه أو أميل للتشائم بل وبكل بساطة لأنني أعرف وزير الخارجية الأخضر يوشكا فيشر منذ أيام الدراسةوحين كان راديكالياً وفوضوياً في مدينة فرانكفورت لكنه كان منذ ذاك الوقت معادياً للعرب وخاصة الفلسطينيـين. وعندما تولى السلطة تخلى عن راديكاليته ونسي فوضويته لكنه ظل معاديا للعرب.
وبرعاية هذا الوزير الذي اعتز شارون علناً بصداقتـه بُدلت هيئة التحرير وقدم السيد شتيفان فايدنر منذراً بعصر جديد ولم يتركنا ننتظر طويلا لنرى أسوأ ما يمكن إصداره يصبح منهجاً لهذه المجلة التي تدعي رغبة بناء الصداقة بين الشعوب. وفتحت المجلة وبدون أي خجل أبوابها لمترجمة رواية صدام حسين وكأنه لم تكفينا جرائمه وكان لا بد من رائحة فمه الأدبية التي تزكم الأنوف. أتت هيئة التحرير "لتردم الخنادق" كما ادعى مديرها فايدنر "بين الشرق والغرب" ففتحت هاوية. هَرّب فايدنر بكذب لا مثيل له كاتبة إسرائيلية ترعرعت في إسرائيل وخدمت في جيشه تدعى منى يحيــا على أنها أديــبة عراقية ونشرفي العدد 77 (2003) كاريكاتورا مستهزءاً بالإسلام ( تمثال الحرية الأمريكي بحجاب وقرآن). ولكي يبــين مدى إحترامه للعرب كرر رغبة إيرانيين أن لا يُخلط بينهم وبين العرب وأكد (في العدد79 سنة 2004) أن بعض المثقفين العرب يبالغون بمكانة وأهمية (Bedeutung und Wichtigkeit ) الثقافة العربية. هذا ما أدى إلى رفض العمل معه عندما دعاني اليه ومنعته خطياً وحذرت كل دور نشر كتبي من السماح له ولمجلة "فكر وفن" بأخذ أو نشر أي مقطع من أعمالي الأدبية.
فاصلة كـ مقهى:
* هل تعتقد ان كونك كاتبا عربيا مجهولا ليس له أي فائدة ؟ فقد كان من الممكن عندها ان تكون عضوا في اتحاد الكتاب العرب برئاسة عرسان !! فما سيكون موقفك لو حضرت انتخابات الاتحاد الاخيرة وكان عليك أن تنتخب أما عرسان أو خليفته الذي أنسى اسمه غالباً ؟
**كنت سأنتخب علناً وبصوت عالي ابو نواس فهو رغم أنه ميت يقدم للأدب العربي إلى اليوم أكثر من إتحاد الكتاب العرب منذ يوم تأسيسه.