مرحبا جدار

 
   جــــدار المــاء . جــــدار الـراوي . جــــدار الآخـــر . جــــدار الوراقـيـن . جــــدار الضـــوء . جــــدار اللــون . جــــدار النـار     

لقاء جدار



 حامد بن عقيل: الأندية لا تمتلك سوى الشعارات.. والغذامي صنع مشروع معارض ‏‏زائف‏

--*--*--*--*--*--

صفيح ساخن



 الخوف: البنية النفسية للسوري المرعوب من المخابرات: جابر السقا

--*--*--*--*--*--

جدار الصحف



 المقال الذي بسببه حكم على الشاعر فراس سعد 4 سنوات سجن

--*--*--*--*--*--
 الحياة على أنها نص نكتبه: عمر قدور

--*--*--*--*--*--
 الفجر الكاذب في الأفق، مؤسسات الثقافة العربية: زياد منى

--*--*--*--*--*--
 صموئيل شمعون: لا أنشر مقالات ضد أصحابي لأني جبان والحياة الثقافية العربية مريضة

--*--*--*--*--*--
 لا للحرب المفتوحة: إنها خيار للإجهاز على لبنان: وسام سركيس

--*--*--*--*--*--
 العرب والمقاطعة في مرآة معرضي الكتاب في باريس وتورينو: فابيولا بدوي

--*--*--*--*--*--
 هل يمكن لتركيا أن تكون مثالاً إيجابياً للسوريين؟: ياسين الحاج صالح

--*--*--*--*--*--
 رد على مقال صبري حافظ حول جائزة بوكر العربية: حسونة المصباحي

--*--*--*--*--*--
 منـذر المصـري: الشعـر توثيـق دقيـق للأكاذيـب

--*--*--*--*--*--
 شعوب خلف المرآة: محمد العباس

--*--*--*--*--*--

الإستفتاء
ما رأيك بنتائج البوكر العربية

نزيهة ومخالفة للتوقعات
مطبوخة وعادية مثلها مثل الجوائز العربية
احتج على اللجنة بغض النظر عن النتائج



نتائج
تصويتات

تصويتات 155

  لــقاء جــدار: رفيق شامي لــ جدار: ماذا ترك الحكام للكتاب من صورة العرب لنشوهها (2-3)

. . خلف علي الخلف

لقاء جدار
حاولت الـنشر بالعـربيـة فلم أفلـح ولـم تقتنع أي دار نـشر عربـيـة أن تنشر لي
تنبأت أن تدخل الجيـش السـوري في لبنان... سيجلب الويـلات لــ لبنان و سـوريا
لكي أتعلم الألمانية بشكل جيد قرأت الادب الالماني الكلاسيكي ونسخت كتبا كاملـة بيدي
سوق الكتب في أوربا لا تتحكم فيه قوانين السـوق.. والشعب الألماني يحـب القراءة جداً
تجاهلني النقاد فقررت الذهاب بنفسي لجمهوري ورواية قصصي له بشكل لا يعود فيه محتاجا إلا لتقييم عقله
نشرت حوالي 4500 صفحة. وأتحدى أي باحث أن يجد سطراً واحداً مهيناً للإنسان العربي وللثـقافة العربية
 


البدايات: الكتابة .. النشر ..
*كيف بدأت مسيرتك الادبية في ألمانيا بشكلٍ عام.. وأنت في هذا المناخ الذي ذكرته.. وهل كانت اللغة الألمانية قراراً أم خياراً ..؟
**الأدب العربي كان برمته مجهولا يوم بدأت في أواسط السبعينيات بالنشر. بدايةً حاولت النشر باللغة العربية ولم أفلح في إقناع أية جريدة أو مجلة أو دار نشر بأخذ مقالة أو قصة لي بعين الإعتبار وظللت أكتب بالعربية في مجلات صغيرة طلابية يسارية أو فلسطينية (خاصة مطبوعات عشيرة نايف حواتمه). ثم بدأت شيئا فشيئا بالكتابة للصحف الألمانية وكانت ردة الفعل السلبية تتناسب طردا مع حجم ومركز الصحيفة.
ست سنوات عجاف مروا علي وأنا أحاول بصبر أيوب أن أقنع داراً عربية للنشر من المحيط الى الخليج وكان فشلي 100% وأغلب الصحف أو دور النشر لم يكلف نفسه حتى عناء الإجابة. وأذكر حتى اليوم ألمي عندما كنت أجلس وأتحدث بصدق مع نفسي وأرى بعيني مقدار الهزيمة. لكن الهزيمة التي تعلم أفضل من نصر يعمي البصر. أيقنت بيني وبين نفسي أن الحصار العربي لا يزول بمغادرة المكان، وليس هناك سوى حل وحيد: مغادرة اللغة. هذا هو السبب الأول في قراري البدء بالكتابة باللغة الألمانية وليس كما يصوره كاتب مصري عنصري على صفحات "أخبار الأدب المصرية" جالساً في أحضان أسياده وأصحاب لقمته في السلطة المصرية باصقاً على الكتاب المنفيــين. ليس هناك إنسان واحد يغادر لغته الأم طوعا. ولا حتى الحيوان. فقط المخابرات كانت تجبر إنساناً آدمياً جميلاً في سجونها أن يعوي كالكلاب أو ينهق كالحمير. هذه الحقيقة البسيطة تغيب عن أدمغة أعدائي فيزايدون – فاضحين أنفسهم – على "خيانتي وبيعي" للغتي الناحية الثانية التي شجعت قراري كان تشنج النظام في دمشق في أواسط السبعينيات بعد دخول الجيش السوري الى لبنان والذي عارضته بشدة وتنبأت مع الكثيرين أن هذا التدخل سيجلب الويلات للبنان وسوريا وقبل كل شيء للحركة التقدمية في المنطقة. وأنا أعتقد أن البعث السوري خسر عبر التدخل السافر في لبنان آخر أوراق توته الكثيرة. في تلك الفترة ازدادت المناوشات بين أغلب عرب المهجر وبين البعثيين السوريين. وازدادت في نفس الوقت مطاردة النظام لكل معارضة وقد تم ذلك بمعية وإشراف رفعت الأسد الذي يعرض الآن نفسه على البريطانيين والأمريكان "كالخبز الكاسد" لكي ينقذ البلد من "الوضع السياسي المتدهور" كما تعلن محطة إبنه التلفزيونية والتي بناها "بعرق" جبينه على قولة الذكي زياد الرحباني. أيقنت في نهاية السبعينيات أن لا عودة لي في القريب العاجل إلى سوريا. وأصبح جمهوري الوحيد ألماني اللغة إذ أن الأقلية العربية في ألمانيا صغيرة جدا حتى اليوم وكانت في السبعينيات أصغر، وقلة صغيرة من هذه الأقلية تقرأ كتبا. القرار لم يكن سهلا بالنسبة لي لكني كدت أختنق لتراكم مجموعات كاملة من القصص ومشاريع روايات ومسرحيات فوق صدري. صار شعوري في الغربة مريرا بالحصار وكأنني أعيش في دمشق. قررت أن أسلك طريقا معقدا لكنه بنظري اليوم بعد 25 سنة كان الطريق الوحيد. كنت وقتها بعد مرور حوالي سبع سنين أجيد الألمانية بصورة حسنة لكنني أردت الآن إقتحام القمة اللغوية الأعلى من كل القمم وهي الأدب ووجدت أن معداتي بسيطة تكفي كفاية تامة للقراءة حتى المعقدة منها خاصة وإنني ألم بالفرنسية إلماما جيدا جدا وبالإنكليزية إلماما بسيطا ( ست سنوات في المدرسة تحت إشراف مدرس مهترىء كان في شبابه ضابط صف في الجيش الإنكليزي وقد تركه الإنكليز عندما غادروا عمان كإنتقام من العرب). وقد مكنتني محبة اللغات واشتراكي في حلقات فلسفية أدبية وسياسية طلابية من اللغة أكثر لكن كل هذا ظل قليل الباع أمام ما كنت أريد الوصول إليه أدبياً، فأمضيت سنتين بدراسة جديدة يومية عنيفة لللغة الأدبية الألمانية الكلاسيكية والحديثة (حتى صعود النازية) أما الأدب الحالي الألماني فلم أعره إنتباه لأنه في حالة تراجع عبر موضات الحداثة وما بعد الحداثة وما بعد بعد الحداثة وبكلمة مختصرة الأدب الممل الذي لا يهم سوى الكاتب وحماته. ولكي اتعلم بدأت بكتابة ونسخ كتب بكاملها وكنت أقف عند الحيل اللغوية والتركيبات والصور الغريبة وتقنية المؤلف في بناء روايته أتمعنها أحاول تقييمها وإيجاد معادلها في العربية مرافقاً الدراسة العينية بالأطروحات العلمية النظرية عن فن الرواية. وأنا اليوم واثق أنني لم أتعلم لغة قط بالدقة التي تعلمت بها الألمانية منذ قراري في أواسط السبعينيات وحتى اليوم. ولا زلت يومياً أتعلم. وعبر التجربة أيقنت أن أي نص يغادر يدي عليه أن يكون من الناحية التقنية في مستوى أفضل الكتاب الألمان لأنني كرهت الشفقة التي يعامل المثقفون ونقاد الأدب الألمان بها بعض زملاؤهم الغرباء. ومنذ ذلك اليوم لا يخرج نص من مكتبي إلا بعد مراجعة دقيقة لصغائر اللغة المهمة أهمية كبائرها، فالحجر الذي تحتقره لصغره يفح رأسك. بعض الكتاب الألمان والمهاجرين يحولون شريكة حياتهم لسكرتيرة رخيصة الأجرة. لم أشأ أن أسلك هذا الطريق ليس لنبل زائد في أخلاقي بل لأن العمل بهذه الطريقة لم يكن مثمراً فالجدال مع زوجة يأخذ منحى آخر غير ذلك مع أخصائي لغوي أدفع له أجره بكرم لكي لا يترك شائبة لا يراها إلا من يتعلم اللغة مع حليب الأم وكمثال بسيط: حتى اليوم عندما أكون منهكا، يصلح إبني إميل أخطائي ضاحكاً خاصة وأن الألمانية معقدة في حرف التعريف "ال" الذي يختلف من المذكر(der) الى المؤنث(die)والحيادي(das) ويختلف معه كل التصريف ( الإعراب) والحيادي مصيبة تصيب كل أبناء اللغات الأخرى التي لا تستعمله فالطفل حتى ولو كان مذكرا أو مؤنثا يلزمه أل التعريف الحيادية. هناك أيضا إختلاف جذري بين اللغات في تحيـيد جنس كثير من الأمور التي تحيط بنا. اللغة العربية تميل حسب تقديري لتأنيث كل ماهو مثمر بينما تنزع اللغة الألمانية للتذكير لأنها لغة حديثة القواعد نسبيا بالمقارنة باللغة العربية. الشجرة والقمر والمطر والنهر والطريق الخ.كلها بالألمانية مذكر. المهم فكرة توظيف مساعد يعمل معي بشكل شبه يومي ساعدني جدا في الحفاظ على السلم والهدوء في الحياة العائلية وعلى إنتاجية كبيرة ونقاش يومي لكل أخطائي.
 
*متى استقر وضعك ككاتب في المهجر-المنفى؟
**مع نجاحي الذي أتى في نهاية الثمانيات، أستطعت ترجمة كل أعمالي المتكدسة منذ عشرات السنين إلى الألمانية وتقديمها للقراء بلغتي وأسلوبي. لكن هذا النجاح أتى بعد 13 سنة من البدء بالنشر. ففي 1976 نشرت أولى قصصي في المجلات والصحف.وفي 1978 نشرت أولى مجموعاتي القصصية بعنوان "أساطير أُخرى" وأول نجاح هز المجتمع الأدبي وحفر إسمي بشكل ثابت حتى في القواميس الأدبية وكتب اللغة المدرسية أتى في نهاية عام 1989.
 
*هل تعتقد الآن أن فترة 13 سنة لتكريس اسمك كانت فترة طويلة وانت تمكنت من الالمانية قبل أن تبدأ وكتبت بأسلوب خاص ومتمكن ...إذاً لماذا استغرق وصول أدبك للقراء هذه المدة الطويلة في بلد حر ديمقراطي؟
**ليفهم القراء ظروف عملي في المنفى الألماني لا بد من شرح أوضاع سوق الكتاب الألمانية. وهنا يجب التنويه على أن المانيا بلد حرية وديمقراطية برلمانية بكل مؤسساتها لا تتدخل الدولة فيها ( أو المخابرات أو إتحاد الكتاب) بما ينتشر في السوق الثقافية ويمكن نشر أي شيء مع تحمل مسؤولية المنع من دوائر الأخلاق والقضاء إذا أخلت بالأدب أو كانت معادية للسامية أو محرضة لكره الشعوب والديانات الأخرى. لكن الجزء الأخير يطبق بصورة أقل مصداقية لأن القوانين صيغت بعقلية أوروبية لا تحترم شعوب العالم الثالث وثقافتها وهي هنا مطاطية ضبابية وليست صارمة. وقبل أن ننسى وننجرف مع الكره والسم الذي تبثه الدوائر القرضاوية المعادية للإسلام حقا والمدعية الدفاع عنه. دلت الإحصائيات في الأسبوع الماضي على وجود أكثر من 2000مسجد للمسلمين منها 141 بمنارة في المانيا. هذه المقدمة ضرورية لأن كثير من مثقفيي السلطة العرب يخلطون عن عمد أو غباء بين الوضع في البلاد العربية والبلاد المتمدنة والمتنعمة بالحرية ويلصقون تهماً سخيفة بكل المجتمع مع دولته إذا قام كاتب أو مغني أو رسام حقير عنصري بإهانة النبي العربي قاصدا إهانة المسلمين والعرب غير المسلمين معاً. سوق الكتب إذاً لا تتحكم فيه أو توجهه الدولة بل قوانين السوق الرأسمالية في البيع والشراء. والشعب الألماني شعب يحب القراءة جداً كما نوهت أعلاه وهذا يؤثر بشكل إيجابي وسلبي على الكتاب والكُتاب. إيجابي لأن الشعب الألماني يحترم الكُتاب ويقدسهم أحيانا ويأخذ مايكتبوه بعين الجد. ولكن بما أن السوق جيدة ومغرية إلى هذا الحد فإن دور العالم الغربي بأجمعه تلقي بثـقلها على الساحة الألمانية لتحظى بقطعة من الحلوى وليس من الصدفة بشيء أن أكبر معرض دولي للكتب في العالم هو معرض فرانكفورت السنوي في المانيا. هذا التهافت على السوق الألمانية يقلل بدوره فرص دور النشر الصغيرة والمتوسطة أمام جبروت دور النشر الكبيرة بوسائلها الدعائية غير المحدودة (تكلف الصفحة الواحدة للدعاية في صحيفة أو مجلة واسعة الإنتشار ما بين 20 و50 ألف يورو أو دولار). وليس صدفة أيضا أن تكون الكتب الأولى في المبيعات ترجمات لكتب احتلت في بلدانها المراكز الأولى في قائمة المبيعات. السوق الألماني يؤثر بدوره على الأسواق العالمية الأخرى فكل كتبي الناجحة في المانيا تم بيع حقوقها فور نجاحها إلى 20-23 لغة أُخرى بينما كتبي الثانية الأقل نجاحاً لم تجد إلا في لغات قليلة من يرغبها من الناشرين.
هذا التنافس المرير على السوق يسبب تراجعاً لإمكانيات الكتاب من العالم الثالث مقارنة بالكتاب الأوروبيين والأمريكيين. سوق الكتاب كسوق الفيلم مغري بأرباحه ويبلغ حجم تدواله التجاري السنوي حوالي 12 مليار يورو. فطبعة مليون نسخة من رواية ترمي حوالي 10 ملايين دولار أو يورو لدار النشر. فإذا أضفنا إلى ذلك حقوق الترجمة والفيلم والمسرح والإذاعة لأخذنا صورة عن المبالغ الهائلة التي يدور حولها التنافس.
هناك قائمة غير رسمية تجدول أهمية اللغات في ميدان الترجمة وتعتبر اللغة الإنكليزية الأهم على الإطلاق. هذا للأسف ليس رأيي بل الواقع ويترجم من الإنكليزية أطنان من الزبالة الثقافية ( وفي الأفلام بصورة أبشع فكل فيلم أمريكي من الدرجة العاشرة يتمتع بإنتشار أكبر من أي فيلم عربي، صيني أو حتى ألماني جيد) بينما تظل قافلة من الكتب الممتازة أمام الباب ولايسمح لها بالدخول إلى نعيم التداول الدولي. تحتل اللغة الإسبانية أيضا موقعا ممتازا ليس بسبب الأدب الإسباني بل لأن عباقرة الرواية الأمريكية اللاتينية فرضوا أنفسهم على السوق باقتحامهم قلوب وعقول القراء وغارسيا ماركيس يطبع من كتبه بالألمانية أكثر مما طبع في البلاد العربية في عشر سنوات. وهل من الضروري التأكيد عل أن كل رواية من مسلسل "هاري بوتر" تحتل ولأشهر المرتبة الأولى في كل الأسواق الأدبية العالمية. هذا وحده يلعب الدور الرئيسي في صعود أو هبوط لغة ما على هذه القائمة وليس دولة أو حزب ما.
 
*ماذا عن دراستك الاكاديمية .. هل كتبت فيها أم اقتصر الامر على الابداع الأدبي فقط ؟
** في البدايةكنت متأكداً من حتمية العودة لذلك قمت بترجمة أفضل كتاب للعمل المخبري في الكيمياء العضوية ألفه أخصائيون من ألمانيا الديمقراطية وكان الكتاب يُدرس في عدة دول أوروبية وقد كان مقرراً إلزامياً هنا في المانيا الإتحادية رغم العدائية غير المحدودة بين النظامين السياسيـين الذين وقفا كنقطة مواجهة للمعسكرين الرأسمالي والشيوعي آنذاك عند حائط برلين. وحصلت من الدار الألمانية في برلين الشرقية بعد حوار مكثف طويل على حق النشر مع تخلي الدار عن الرسوم ونصيبها في الأرباح لأملها الحصول على تقدير علماء الكيمياء العرب وبالتالي الصناعة الكيميائية العربية. ترجمت الكتاب الضخم الذي بلغ عدد صفحاته790 صفحة كبيرة ودقيقة بنفس الوقت، بعمل دؤوب طوال ثلاث سنوات وعرضته على حوالي عشرين دار نشر عربية دون مقابل وذلك ليس لأني قديس بل لأملي أن يسهل لي إنتشار هذا الكتاب الرائع أيجاد عمل كأستاذ للكيمياء. ولم أتلق خمس سنوات بكاملها إلا الرفض. يصعب على الإنسان دفن أحلامه أكثر من دفن أبنائه. لم أكل من المراسلة، لكن فشلي الذريع أجبرني على دفن هذا الحلم. وقد برر لي أحدهم أن السبب يكمن في أنني مسيحي والدار الناشرة شيوعية!! وكأن هناك كيمياء مسلمة وأخرى مسيحية أو كأن الذرات والروابط الكيميائية تتبع النظام السياسي وكأن أنظمتنا السياسية التي كانت تتعامل مع المانيا الشرقية أشد عداءً لها من المانيا الغربية. بعد ذلك ألفت مع زميلي الدكتور الياس الكبة كتابا عن الطاقة الشمسية وتطبيقاتها. ورفض الكتاب أيضاً بإجماع عربي فريد. هذه المرة كنا ندرك سلفا سبب الرفض. فلقد كنا معاً ولا نزال أعداء الطاقة الذرية بكل أنواعها سواء ما يسمى سلمي أوما يسمى حربي. ولذلك إحتوى الكتاب فصلاً عن مضار وخطر الطاقة الذرية. وأتت أجوبة الرفض مرائية كاذبة إلا أن صديقة لبنانية مدت يدها للمساعدة وتوصلت إلى إقناع دار الحداثة في بيروت لطباعة هذا الكتاب. فطبعه الناشر نسخاً عديمة الذوق وببخل منقطع النظير، وكنا قد طبعنا هذه الأوراق هنا في المنفى على آلة كاتبة بسيطة ويشهد الله بإصبع واحد أو إصبعين. صدر الكتاب عام 1982 تحت إسمي الحقيقي (د. سهيل فاضل) وإسم زميلي (د. إلياس الكبــة) ولم نر حتى اليوم قرشاً ولا كتاباً واحداً رغم رسائلنا العديدة سوى بضع نسخ انتزعتها الصديقة اللبنانية عند صدور الكتاب في طريقها إلى ألمانيا.من يومها توقفت عن إرسال أي شيء لدور النشر العربية. لكن دعنا هنا نقف معاً دقيقة حداد على وضع الكتاب العربي الذي يُحارَب في البلاد العربية أكثر من محاربة المخدرات. اليس من العار أن تنشر المانيا حوالي 80000 كتابا سنويا ويبلغ عدد سكانها 80 مليون (أي أن المانيا تنتج بمعدل 1000 كتاب لكل مليون مواطن (للمقارنة إسرائيل تنتج 600 والبلاد العربية أقل من 4 كتب لكل مليون مواطن) فإذا قلت ذلك إتهمني كتاب الدولة الثوريــين جداً بنزع صيت الوطن إذاً لنقف دقيقة أخرى حداداً على ضمير هؤلاء الذي مات بعد عبورهم بوابة البالغين أو بعد ذلك بقليل.
 
* لنعد بعد دقائق الحداد هذه إلى بداياتك في ألمانيا ..كيف كان المناخ العام الألماني في فترة وصولك إلى المانيا وبداية اشتباكك مع الرأي العام الألماني وكيف كان نشاطك ( السياسي ) في هذا المناخ الذي أصبح غير مؤاتياً -كما يعلم الجميع- لتفهم القضايا العربية ؟
**اتجهت إلى المانيا الإتحادية ولم يكن بعلمي أن ما ينتظرني هنا معقد إلى هذه الحدود، فالشعب الألماني من أكثر شعوب العالم محبة للقراءة وما يجهله الكثير من مثقفينا المولعين بفرنسا أن المانيا كانت قبل أن تصبح مركز للإختراعات والتصنيع بلد الفلاسفة والشعراء. وحتى اليوم يتمتع الكتاب في المانيا بموقع فريد وسوق الكتاب أفضل سوق عالميا مما يزيد المنافسة.
ما أدهشني عند وصولي وتمكني من اللغة هو جهل الألمان الشبه تام بالبلاد العربية والثقافة العربية وعدائية شديدة لكل ما هو عربي. الجهل نتج عن عدم تعاطي الألمان كشعب مع مستعمرات كالشعب الفرنسي أو الإنكليزي رغم تزايد أبحاث المستشرقين الألمان في القرن التاسع عشر في خدمة الإمبراطورية الألمانية وأطماعها في الشرق لكن هكذا أبحاث ظلت في الإطار الجامعي أو استعملت في وزارة الخارجية أما تأثيرها على الشعب فظل يقارب الصفر. الحكم النازي الذي استمر 12 سنة فقط ألقى بالمجتمع الألماني ثقافيا عشرات السنين إلى الوراء. أضف لذلك الجريمة الشنعاء بقتل ما يزيد عن 6 ملايين يهودي و20 مليون إنسان من الإتحاد السوفييتي. رزح الألمان عن حق ( وليس ظلماً كما يتبجح بعض السفهاء وعديمي الضمير) تحت كابوس هذه الجريمة التاريخية ونتج عن ذلك مراجعة نقدية وحوار لا يرحم يدور حتى اليوم عن التاريخ والمسؤولية وأنا لا أظن أن شعبا من شعوب الأرض فعل ذلك بعقلانية وشجاعة كالألمان. أريد التذكير فقط بجرائم إسرائيل التي ترتكبها يوميا ضد الأطفال الفلسطينيين وليس فقط على يد شارون. أريد أن أذكر بجرائم الفرنسيين التي ارتكبوها في مستعمراتهم وخاصة الجزائر وفيتنام وهم يشيرون بغرور لاتاريخي وعديم الضمير الى فظائع الشعوب الأخرى. وما الذي يفعله الأمريكيون لفهم تأريخهم الدموي تجاه السكان الأصليين في قارتهم والذين أفنوهم في البدء قتلاً ومرضاً وفيما بعد كذباً وتزويرا؟ ما الذي يناقشه الإسبان أو اليابانيين أو الصينيـين عن تأريخهم؟ من من العرب يعتذر عن مذابح قام بها أسلافنا تجاه شعوب أخرى وأولها الإفريقيون؟
هذا الإتجاه الخِيِر الشجاع في المانيا قابله إتجاه رخيص جبان في التخلص من عبء التاريخ بالتماهي مع إسرائيل وأمريكا. وقد قامت الحكومات الألمانية بكل أطيافها الحزبية بالإرتماء أمام إسرائيل متعامية ومعادية للعرب وحق الفلسطينيين الشرعي بوطنهم. وتبع الحكومة جيش إعلامي رهيب يفرح ويطنطن لهزائم العرب ويفرح لانتصارات إسرائيل وكأنها إنتصارات يحققها الجيش الألماني. وانقلب النازيون عن خبث إلى أفضل أصدقاء لإسرائيل وتبعهم معاديي النازية وحتى أشرف شرفائهم مثل المستشار فيلي برانت والذي قاوم النازية منذ نشأته وحصل فيما بعد على جائزة نوبل للسلام. ولم يكن شيئاً إستثنائياً أن تصادف شيوعي أو ديمقراطي أو ليبرالي أو حتى محافظ يؤيد كل حركات التحرر في إفريقيا وآسيا ويرفض أي نقد لإسرائيل.
للأسف لم تقدم الجهات الرسمية العربية في 35 سنة عشتها أنا في خضم العمل السياسي الذي كان يلاحقني بدل أن ألاحقه إلا صوراً تزيد من قناعة مؤيدي إسرائيل. السفارات وأتباعها كانوا – ولا زالوا – يتصرفون بشكل تسأل نفسك معه هل تمول إسرائيل هؤلاء ليصبوا زيتاً فوق النار بحمق فريد من نوعه. لذلك كان هؤلاء الأغبياء يجبروني وأصدقائي على الوقوف علنا وبعقلانية مع الشعب الفلسطيني رافضين الإرهاب بكل أنواعه وأولها إرهاب الإحتلال والديكتاتورية وأيضاً وبدون لف ودوران رفض قتل المدنيـين الأبرياء. وكان علينا العمل بإستمرار لتغطية الأسئلة المطروحة وبنفس الوقت توضيح الحدود الفاصلة بيننا وبين الشوفينيــين العرب – الذين لم يخجلوا أحيانا من إتخاذ مواقف معادية للسامية كانو يطرحونها للملأ بلغة ركيكة تزيد الطين بلة- كنا أيضا مجبرين على توضيح الحدود بيننا وبين اليسار الألماني ذو العقلية المتحجرة التابعة للسوفييت آنذاك أو المركزية الأوروبية ( يوروتسنتريزم).
 
*كيف كانت تجربتك الخاصة في مجال النشر في ظل هذه الظروف الصعبة التي ذكرتها وانت الكاتب القادم من العالم الثالث وغير المعروف أساساً.. كيف تيسر لك أن تتجاوز كل هذه العوائق ؟
 
**عندما هممت بالكتابة في المانيا كانت الموضة السائدة في الرواية الألمانية هو ماسمي بتعجرف "ما بعد الحداثة Postmoderne" ( وفي البلدان المرفهة موضات للأدب والموسيقى كما للثياب. أما ما أراه في الفضائيات والصحف والمجلات العربية فهو ليس الموضة بل تقليدها والفرق شاسع كذلك بين السيد وعبده)
 "ما بعد الحداثة Postmoderne" هو أسلوب بناء رواية دون قصة ودون تشويق. وهي كما وصفها الفيلسوف والناقد الأدبي الفرنسي جان فرنسوا ليوتارد "نهاية القصة الكبيرة". وقد شجع النقاد وأساتذة الأدب الألمان بكل قواهم هذا الإتجاه ليتصدر الصحافة والمحافل الأدبية. لكن جمهور القراء رفضه للملل الكبير الذي يسببه كتاب يتحدث فيه الكاتب بلغة معقدة ليظهر للقارىء مقدار ذكائه عن لا شيء سوى مشاكله النفسية أو مشاكله مع أمه أو أبيه. هذا الوضع الذي يعترف الجميع اليوم أنه سبب أكبر هزيمة للأدب الألماني المعاصر الذي تراجع دوره بصورة كارثية وهو قريب في تأثيره السلبي إلى تأثيرالنزعة الخطابية في الأدب العربي اليوم لم يعد أحد من العقلاء ينادي بما بعد الحداثة لكن في أواسط السبعينيات يوم بدأت بأولى محاولاتي للنشر كان هذا الإتجاه أكبر عائق لي. ليس فقط لأنني عربي وليس أيضا لأنني بنظر بعض الألمان الشوفينيين "أتعدى" على لغتهم وقد قال لي أحد الأدباء الذي حسدني "لو أردت تسلية الجمهور مثلك لأستطعت كتابة رواياتك باليد اليسرى وأنا سكير.أنت لاتجيد الألمانية. تعلمها أولاً ثم حاول كتابة قصة حديثة." وكنت قد قرأت نفس الشتيمة الذي وجهها أحد الشوفينيين الإنكليز للكاتب جوزيف كونراد البولوني الأصل والذي عاش وكتب روائعه في إنكلترا. وهو بالمناسبة معلم كبير أدين له بالكثير. أجبت ذاك الزميل في إتحاد الكتاب الألمان: " حاول أولا أن تكتب قصصا شبيهة بما أكتبه بيدك اليمنى وأنت صاحٍ. أنا أعرف أكثر منك مواطن ضعفي في اللغة الألمانية وسأحاول السيطرة عليها لكن دعني أعطيك وظيفة أمام الحضور فسأقول لك جملة عربية واحدة وأكتبها لك وسأعطيك مدة سنة حتى المؤتمر القادم للإتحاد فإذا استطعت لفظها وكتابتها دون خطأ سامحت سماجتك" ضحك كثيرون عليه إذ أنهم يعلمون أن الألماني لا يستطيع حتى بعناء شديد لفظ بعض الأحرف العربية مثل ح ظ و ط وع.
في تلك المرحلة باءت أكثر من خمسين محاولة لنشر أولى مجموعاتي القصصية بالفشل لكن على الأقل كنت أحصل على جواب رفض مؤدب وإن كان تبرير الرفض على الأغلب كاذباً. لكن حتى هكذا جواب لم أحصل عليه من أية دار نشر عربية من كل أنحاء الوطن العربي واللذين رجمتهم بدون رحمة بإنتاجي الأدبي إلى أن أيقنت أنهم لا يستحقون حتى كلفة الطوابع البريدية. لأن من أرجمه لا شيء، خيال صحراء على قولة فيروز. كان وضعي في المانيا يشبه وضعي في دمشق مع فارق أساسي أنني هنا فقدت الخوف وكنت أروي وأحاضر كلما دعيت إلى نقاش دون أن يكون لي كتاب واحد قد نُشر، وخلال إحدى هذه المحاضرات في مدينة كاسيل شمال ألمانيا عرض أحد الحاضرين علي نشر القصة التي رويتها وهكذا بدأت قصصي بالظهور في دور نشر صغيرة جداً وبطبعات صغيرة لكنها كانت بالنسبة لي دفعة جبارة للأمام. هذه الدور الصغيرة الحيوية والمثالية التوجه انهارت أو بلعت أغلبها من دور نشر كبيرة وهي سائرة للإنقراض، لكن دورها في اكتشاف الجديد، الجريء الذي لا يسبح مع التيار لا يزال عظيماً إذ أن الدور الكبيرة لا تغامر بجهازها الضخم الكثير التكاليف. وقد قال لي أحد مدراء هذه الدور الكبيرة إنه مصاب بلعنة النجاح إذ أنه يحتاج في الموسم لكتاب في سدة قائمة المبيعات وإلا أفلس.
ظهرت لي على التوالي مجموعات لقصص عجائبية أسطورية خيالية " الخطاب الأخير للجرذ المتجول"، "العبور الأول لخرم الإبرة"، "الحمل في ثوب الذئب" , وكتاب ضاحك ساخر لقصص شامية " حلاب الذباب" وكتاب "أساطير معلولا" الذي ذكرته سابقاً. لى جانب الفرح الذي ملأ قلبي لإختراقي جدار الصمت المطبق حز في نفسي أن دور النشر الصغيرة لاتستطيع أن تؤثر على النقاد ولا على بائعي الكتب. وبهكذا وضع يظل وصول الكتاب الى يد القارىء عسير في بلد تطبع سنوياً من70 إلى 80 ألف عنوان جديد تنضم إلى مئات الألوف التي تحتويها مخازن ولوائح بائعي الكتب أو الموزعين. فتجار الكتب يقعون تحت سيطرة دور النشر الكبيرة التي تدفع أجراً لإحتلال أفضل مكان في دار بيع الكتب وهي الأمتار المربعة الأولى عند المدخل والواجهة حيث تملأها بكميات هائلة لافتة للنظر من إنتاجها الجديد. أما كتبي وكتب آلاف الكتاب من المانيا والعالم فبالكاد تجدها على الرفوف وكلما كان الكاتب غريــباً كلما صار تصنيف كتبه أصعب بالنسبة للعاملين في المكتبة. كم من مرة وجدت كتبي بين كتب الزراعة في العالم الثالث وأبحاث عن الآثار المصرية أو كتب إقتصاد العالم الثالث.
 
*هل كان الأدب هامشاً مثل اغلب الكتاب العرب، بمعنى ماذا كنت تعمل أثناء الفترة التي لم تكن فيها معروفاً ولم يحقق لك الأدب دخلاً.. هل عملت في اختصاصك العلمي؟
** بعد تخرجي بدرجة دكتوراة في الكيمياء مع إختصاص إضافي في الأدوية وفشلي في الحصول على عمل في عدة بلاد عربية ( رشحت نفسي لوظائف في الكويت واليمن الجنوبي آنذاك والجزائر أعلن عنها هنا في الصحافة العلمية ورفض طلبي والحمد لله.) عملت من سنة 1979-1982 في شركة كبيرة للأدوية. وفي ربيع 1982 قدمت إستقالتي وقررت التفرغ للأدب مهما كلف الأمر.
وبما أنني صرت أعيش كل يومي متفرغا نهائيا للعمل الأدبي ولإيصاله للقراء إذ لا معنى لأدب لا يصل لقرائه. صرت أراقب وأبحث وأسجل كل خبرتي في دفاتر عمل دقيقة وقاسية الحكم على الآخرين وعديمة الرحمة تجاه ما أقوم به (مقلداً بذلك برتولد بريشت الذي كان آنذاك أكثر أدباء المانيا تأثيراً في نفسي وقد التهمت كل ما كتبه حتى ملاحظاته على قصاصات الورق وقد كان عديم الرحمة مع ذاته والآخرين) وكنت أرجع بين الفينة والفينة إلى هذه الدفاتر لأقرأ وأراجع خططي على ضوء التجارب. بعد سنة أو سنتين اكتشفت عبر مراجعة الخطوط البيانية للمبيعات والتي يحسبها الناشر أسبوعيا ولا يهتم بها معظم الكتاب، إكتشفت بما لا يمكن لتكراره أن يكون صدفة بأن مبيعات الكتب تبلغ ذروة في المدن التي حاضرت بها ولفترة قصيرة لتعود مجدداً الى مستواها العادي المنخفض. لذلك قررت الإنتقال من الدفاع والإنتظار إلى الهجوم. قررت أن أتجاوز صمت النقد الأدبي اللامبالي أو العدائي في موقفه تجاهي والحصار الدعائي للدور الكبيرة. قررت أن أذهب بنفسي لجمهوري وأروي له قصصي بشكل لا يعود فيه محتاجا إلا لتقييم عقله وبالتالي قد أستطيع جذبه لكتبي رغم فقري وفقر دور النشر الصغيرة. وقد ساعدتني طريقتي في الرواية على ذلك.
 
فاصلة كـ مقهى:
كونك تحمل دكتوراة بالكيمياء لم لا اشاهد اسمك مسبوقا بحرف الدال على مؤلفاتك كما يفعل الدكاترة العرب (والدكاترة هنا جمع دكتور وليس دكتاتور)؟
 
**لقد توقفت عن كتابة د قبل إسمي من يوم سمعت أن رفعت الأســد وصابر فلحوط وبهجت سليمان وغيرهم صاروا دكاترة فقلت في نفسي لا أريــد أن يشبه إسمي في أي أقسامه أعضاء هذه الجمعيــة للرفق بالحيوان وتمسيح الأرض بالإنسان. هكذا إسمي "حاف" كما يقول أبناء حارتي أفضل.
 
الوطن .. العرب .. النظرة لكتاب المنفى
 
*الشرق كما يريده الغرب هكذا قيل عن كتاباتك من بعض الكتاب العرب المقيمين في الغرب مثلك أيضا. هل يمكن ان نصف هذه المقولة بأنها تلامس شيئا من الحقيقة ؟ أم أنها لا تعدو تدوير لخطاب الانظمة الشمولية الالغائي وتالياً لا يجد حزب اعداء النجاح سوى هذه الثغرة ليبرروا عجزهم عبر لعن نجاح الاخرين، أم انها رؤية نقدية تمثل خلاصة قراءتهم لك وتمتلك مشروعية تسندها من خلال اعمالك ؟
 
**قد تكون أفضل إجابة على هذا السؤال هو الجملة القصيرة: إقرأوا وأحكموا على المكتوب. لكنني قررت أن يكون جوابي لك ولقرائك شاملا لمعلومات أولية عن طبيعة وظروف الكتابة والنشر في المانيا لا تعرفها الغالبية العظمى من القراء العرب. وقبل البدء في الجواب، لي أن أتساءل ساخراً على طريقة أهل حي العبارة الدمشقي الذين أدين لهم بالكثير: يا أحبائي قولوا لي ما الذي تركه حكام العرب وأجهزتهم وأقلامهم وفضائياتهم  لنا – كتاب المهجر والمنفى – من صورة للعرب لكي نزيد فيها تشويها كما يريد الغرب؟
هل يحتاج المواطن الغربي لصور أكثر من نماذج الحكم العربية الطاغية والتي لا يمكن حتى لعباقرة الكاريكاتور أن يصوروا أسوأ منها؟ نتائج إنتخابات 99% و15 جهاز مخابرات لمراقبة وتعذيب 1% من الشعب.
هل إخترع أحد الكتاب المنفيـين قصص المافيا العربية التي تضج بها صحافة الغرب والمأخوذة مباشرة من الواقع حيث تقوم المافيا بحراسة ورعاية مخابراتها ومثقفيها بسرقة دم وكنوز وعرق الشعوب العربية؟
هل هناك إذا إستثنينا إفريقيا منطقة يعاني فيها الِكتاب والكتُاب وضع أسوأ منه من البلاد العربية؟
هل هناك كاتب عبقري يمكنه أن يقديم صوراً للفقر المدقع في البلاد العربية فوق بحر البترول أكثر إيلاماً من عدسة تلفزيونية تتجول ببراءة أو خبث في مدن وريف العروبة؟
هل قام كاتب مهجري أو منفي واحد عبر التاريخ بالمذابح التي تمارس يوميا بين أبناء البلد الواحد أمام عدسات صحفي العالم؟
هل هناك أخصائي عالمي يمكنه بسرعة الأنظمــة العربية قلب الحق إلى باطل وتحويل النقد على كاريكاتورات عنصرية لنقد الإنســان العربي الذي يحرق سفارات ويمزق بهستيرية أعلام؟
هل هناك منطقة في العالم تعاني فيها المرأة ( نصف المجتمع وأم الحياة) ما تعانيه المرأة العربية؟
هل أسس كاتب واحد مهجري أو منفي سجناً واحداً من آلاف السجون للمعارضة التي يعرفها العالم والتي يخفيها الحكام عن شعوبهم؟
هل يستطيع أي قارىء جاد أن يدلني على بلد عربي واحد يعيش شعبه في نعيم الحرية والديمقراطية مترفها بها ككل شعوب العالم المتمدنة؟
هل أمر كاتب مهجري واحد بتفجير طائرات ليدفع بعد ذلك مليارات للتعويض عن فعلته راكعا أمام جبروت الغرب؟ هل دمر كاتب منفي مدينة آمنة ليعاقب مقاومين إسلاموين؟ هل إقترح أحدنا إلقاء قنابل غاز سامة على إخوتنا الأكراد في مدينة عزلاء؟
هل باع واحد منا الشقاء الفلسطيني ليصبح مالكاً للفنادق والكازينوهات وليسكن في أغلى الشوارع الباريسية بينما يجوع أطفال جنين وغزة؟
 هل تزلف كاتب منفي واحد كما يتزلف أفراد العشائر الحاكمة في لندن وباريس وبرلين لراقصة من الدرجة الثالثة (فيها كمية سيليكون أكثر من لحم) ويعرضون عليها أمام الصحافة علناً الملايين من أجل ليلة ؟ بينما يسير أبناء شعبنا حفاة أو يحتذون الشحاطات البلاستيكية المثيرة للشفقة.
هل يلزم الإستمرار بعد بطرح مزيد من الأسئلة عن المتبقي من صورة للعرب؟
لا أظن.
إذاً لما يتعرض كتاب المهجر والمنفى الناجحين لهجوم غبي مستمر منذ أيام جبران خليل جبران حتى اليوم؟ إن ما قرأته عن إدوارد سعيد، الطاهر بن جلون، أمين معلوف وعني يكفي لعمل فيلم وثائقي عن إنحطاط القيم الإنسانية في مجتمعنا وعن الدرك المنخفض الذي وصل اليه التعامل مع الآخر. كما وعن النفس المهزومة.. الذليلة التي لا تثق بأن أبناء جلدتها قادرين بذكاء وعمل دؤوب وفي مناخ ديمقراطي على إقتحام كل القمم الفنية والمهنية.
هناك قول مأثور في الألمانية بما معناه: يمكن أن يغفر كاتب أية خطيئة لكاتب آخر إلا نجاحه. قد يغري التحليل السريع للواقع بالقول: أن كارهي كتاب المنفى والمهجر لا يرفعون أصواتهم علناً (وسآتي فيما يتبع على أنواع أخرى من حروبهم) إلا ضد الناجحين من الكتاب ولا يهتمون بجيوش جرارة من الكتاب المغمورين في المنفى والمهجر. لكن الحسد ليس السبب الوحيد لكل هذا الهجوم ولإستمراريته رغم كل الهزائم الذي يمنى بها أعداء الكتاب المنفيين.
 
*هل لنا أن نعود إلى التخصيص وتحدثنا عنك أنت من واقع تجربتك الشخصية ؟
 
 **هذا ما أردت الوصول إليه، سأذكر لك لمحة عامة عن مجمل نتاجي الأدبي. إذ يبلغ مانشرته حتى اليوم 25 كتاباً ترجمت في غالبها الى 23 لغة ما عدى العربية، والى جانب الكتب نشرلي عدد صغير من المسرحيات ومئات المقالات السياسية الثـقافية. يبلغ الحجم الكلي لما نشرته حوالي 4500 صفحة تقريباً. وأنا أتحدى أي باحث أن يجد في كل هذه الصفحات سطراً واحداً مهيناً للإنسان العربي وللثـقافة العربية. وهذا ما يلمح له القول الضبابي سيء النية "الشرق كما يريد الغرب رؤيته"
وكأن الغرب كتلة واحدة بإمرة قيادي واحد لا يعرف سواه الحقيقة. أيديلوجيي الكره وأقلامهم يعرفون أنهم يكذبون. لكن هذه التهمة الضبابية لم تكن الأولى. كان أول وأروج التهم في الماضي ومازال حتى اليوم بعض الأغبياء يروجها، التهمة التي تقول أن الصهيونية والإمبريالية وراء نجاح هؤلاء الكتاب المنفيين. وقد كتب أحد السفهاء قبل فترة في غمار شتائمه على الطاهر بن جلون أن هؤلاء الكتاب يربون بعناية من الدوائر الغربية ليطلق لهم العنان في اللحظة المناسبة. قد يضحك بعض القراء لمثل هذا التجريم المبتذل. لكن النظر اليه بإمعان أفضل من الضحك. يطلق هذا التعيس هذه التهم الخطيرة ليس كمبادرة للحوار بل كتحريض جبان على قتل من يهاجم. في الأحوال المعتادة تصدر هكذا إتهامات من أناس لا يعرفون سوى نظام القمع حيث يهتفون بالدم بالروح نفديك يا فلان" والرعاع يشكون بكل من لا يهتف. لكن من يكتب مثل هذه الجمل يحمل أحياناً درجة دكتوراة ويعيش في باريس فهل هذا تناقض؟ جوابي: لا، فالرعاع تطوروا أيضاً وفي زمن المافيا قد يتبوأ أحدهم منصب أستاذ جامعي أو وزير.
لكن بعد أن أصبح أغلب الحكام العرب ومثقفيهم- وليس الكتاب المنفيين- يلهثون وراء المصالحة مع إسرائيل والإرتماء في أحضان أمريكا بهت لون تهمة العمالة لإسرائيل والإمبريالية. وأخرج الحاوي من كمه بيضة أخرى ليعلن للملأ: هؤلاء الكتاب الناجحون يكرهون أوطانهم، قالها لي أحد أتباع البعث في مدينة هامبورغ وأكد بصوت عالي وبالمانية ركيكة لو سمعها غوته لعزف في حياته عن التأليف أنني مع إدوارد سعيد وأمين معلوف لم نكن لنحلم بهكذا نجاح لولا أننا أهنا الوطن الأم . أجبته بهدوء أمام الناس لنترك الكتاب الآخرين بسلام رغم أنني قرأت أغلب ماكتبه أمين معلوف وإدوارد سعيد وأنا أكن للكاتبين محبة وإحترام كبيرين رغم الاختلاف في الرأي على بعض النقاط. رجوته أن يسمي الكتاب الذي كتبته أنا أو السطر أو الجملة التي أهنت بها وطني. وبالمناسبة قلما يحضر أبناء الجالية العربية الندوات الأدبية لذلك كنت ولا أزال أفرح بكل عربي يأتي إلى محاضرة لي. وظننت بادء الأمر أن الأخ يريد إثارة نقاش جميل بمبالغة مسرحية تحريضية يعني عكسها.  وقد قام بذلك مرة أخ من المغرب ذكي جداً في محاضرة لي بميونيخ وكان صاحب نكتة وفنان مرهف الحس. أخونا العربي حامي الديار وقف – وهذه أيضا نادرة – ليتبعج بقوله أنه لا يقرأ كتبي. ولما سأله أحد الألمان بإحترام "عفوا أيها السيد، كيف تحكم على كتب أنت لم تقرأها؟" أجاب منقذ الوطن:" صديقي الألماني قرأها وقال أنها كلها مسبات على حكومة بلدي. إنفجرت القاعة ضحكا وحزنت لهذه البهدلة التي ألمت بنا والتي لا تستطيع سفارة إسرائيل أن تقوم بأفضل منها. وعلى مناسبة إسرائيل. في 35 سنة منفى لم يحضر مسؤول ثقافي عربي واحد محاضرة لي أو لزملائي العرب في المهجر الألماني. ما الذي يفعله هؤلا في السفارة الى جانب كتابة التقارير عن المغتربين؟ غسل سيارتهم في عطلة الأسبوع تماهيا مع جوارهم إذ تعتبر السيارة النظيفة دلالة على نظافة المالك عند الطبقات الدنيا في المانيا، ولم أر أبناء جالية أخرى أجنبية يهتمون بماركة سيارتهم وبغسلها كالعرب. وكم إمتعض بعض العرب أنني لا أسوق المرسيدس.
 عندما يأتي كاتب إسرائيلي أو يهودي حتى المعادين منهم للصهيونية كالشاعر الراحل أريش فريد(Erich Fried) أو المؤرخ إيلان بابه(Ilan Pappe) أو معارضين أشداء لشارون مثل إتكار كيريت) (Etgar Keretأو الممثل والمخرج الذائع السيط وودي ألن(Woody Allen)وغيرهم.تتسارع الأقلية اليهودية للإحتفاء بهم وللحوار معهم والتعريف بهم عبر كل الوسائل. لماذا لا والصراع الثقافي برأيي أهم أنواع الصراع؟ ألم يقل إسكندر المقدوني "أحب أعدائي لإنهم يظهرون لي أكثر من الصديق مواطن ضعفي"؟ فهل تعلم القائمون على الثقافة العربية من عدوهم شيئا خلال 50 سنة؟ الجواب الصادق: لا.
كم تأثرت عندما دعاني بيت الأداب الجميلة في مدينة شتوتغارت مع صديقي التشيلي أنطونيو سكارميتا الذي رافقنا في المنفى بعد إنقلاب بينوشيه الدموي الفاشي وعاش هنا في المانيا15 سنة ليعود الى وطنه تشيلي وليصبح بعدها سفير بلاده في برلين. وكان موضوع الحوار "الوطن عن بعد وقرب". وأتى أنطونيو مرحاً متواضعاً جميل الخلق كعادته رغم نجاح فيلمه ساعي البريد (il Postino) عالمياً وهو تحية حب لبابلو نيرودا. وإمتلأت القاعة وكان اللقاء مثيراً للألمان وتجربة فريدة لنا معاً ونظم أبناء الجالية الأمريكية الجنوبية بمساعدة سفاراتهم حفلة شرف مرافقة لنا بالطعام والشراب. العرب الرسميين؟ تألقوا بغيابهم.
 
*هل يهتم رفيق شامي بمثل هذه الأقاويل أم لا يأبه لها ويردد لهم دائماً: اقرأوا أولاً ثم احكموا .. ولماذا يتكاثر حولك القوالون أو الذين يحاولون إيجاد تفسير لنجاحك وشهرتك خارج نتاجك الأدبي إذاً ؟  
 
** بما أنني أعرف تأثير مثل تلك الأحاديث كنت أتركها جانباً لأهتم بعملي إذ ما سيبقى مننا إن سمح أغبياء الأرض لها بالبقاء إنما هو مساهمتنا في تقدم الإنسانية وليس ما قاله هذا الحاقد أو ذاك العميل لسفارة. ولا آبه لـفلان قال وعلتان شكك. كتابي عن الشاعر غوته وعن ملك عربي حكيم صدر في عام 2005 بالعربية عن دار النشر الشجاعة (منشورات الجمل) دون حذف أية كلمة. وستتبعه روايتي "يد ملؤها النجوم" وهي مذكرات شاب يانع لثلاث سنوات في دمشق. لكنني واثق أن أعداء الإنسان لا يقرأون المكتوب بل ما في رؤوسهم وهم في ذلك نسخة عن الطاغية العربي. وبعد مراقبة 30 سنة أستطيع بإيجاز تصنيف أعداء أدب المنفى وبالتالي أدبي إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى وهي على الأغلب من العرب تحقد على كل من يخرج عن وعلى القبيلة ولا يموت. هكذا علمتهم القبيلة وشيخها. أن الحياة في ظل القبيلة وتحت رحمة القائد الأوحد كانت وما تزال بنظرهم رغم قرفها الطريق الأوحد. وهذا بالمناسبة أحد أشد الأمراض فتكاً بمثقفينا. فأحدهم يجادلك في هيغل وماركس وتظن أنك تتحدث إلى وريث أبي ذر الغفاري أو إبن عم إرنستو الغيفاري وفجأة ترى الأستاذ يجلس مع لواء المخابرات بهجت سليمان أو يدافع بخجل عن رفعت الأسد الذي يلقب نفسه بالدكتور والذي تعيد قناة إبنه  ANNبالطريقة الكاذبة المعهودة خبر إنتظار الجماهير السورية وترقبها لعودته. وأنا من هنا أتصور بخيالي المحدود الجماهير خلف نوافذها تترقب بفارغ الصبر وصول الحرامي الكبير ليسرقها من جديد ويقتل أبناءها ويمسح أنفها بالوحل إذ أن الجولة الأولى لم تكفيه بعد.
هؤلاء المثقفين وكتاب السلطة هم أول من يشعر بزلزلة كل مفاهيمهم وكل ثقتهم بأنفسهم عندما يرون أن بعض كتاب المهجر والمنفى وصلوا إلى تحقيق أحلامهم بعرق جبينهم ودون أن يركعوا لأحد. وبما أنهم رغم كل مزايداتهم لا يؤمنون بالحرية وبالإنسان المبدع فلا بد من إيجاد تفسير تآمري للنجاح والتفسيرات التآمرية تنتج بمجملها عن نفسيات مقهورة وتميل إلى المبالغة ظانة أنها بذلك تفسر هزيمتها بشكل أفضل. هؤلاء يجدون ويا للمفارقة الرهيبة سندا لهم في صفوف اليسار الشوفيني الألماني المهزوم أيضاً.
هناك فئة أخرى عربية بدائية وكانت خطيرة في الماضي، لكنهم حاليا ضعفاء إلىحد الرثاء وهم اتباع السفارات العربية مباشرة وبالمعاش الشهري هؤلاء أقل حساً من أن يقرأوا أي شيء وكان لهم الدور القديم في محاربتنا سراً بالتهديد الجسدي المباشر أو بكتابة التقارير التي تفشى أمرها أحياناً عبر معاملة السفارة السورية لنا وكأننا أعداء الوطن وأحياناً أُخرى عبر حديث معتقل رحمته الحياة بالنجاة وأطلعنا عن أخبار المخبرين الأشاوس في مدن المانيا الذين لا يفتحون أفواههم في مواجهة الدعاية الصهيونية أو العدائية الغربية للثقافة العربية بل يتركون الساحة لنا. وكتبت مرة عنهم: لقد ظنوا الصمت ذهباً وقلدوا أفواهم به.
تهمتهم لنا بالخيانة تكررها السلطة الطاغية وسببها ليس حبهم المفرط للوطن بل لأننا ننتقد حكم الطغاة بكل لغات العالم بدل أن نحفظ لهم ماء وجههم وهذه الظاهرة، ظاهرة حفظ ماء الوجه، ظاهرة مرضيــة في مجتمعنا.تنقلب المقاييس رأساً على عقب. ليس الإجرام بحق المجتمع ونهبه وإذلاله هو السيء بل كاريكاتور ناجي العلي الشهيد. وحفظ ماء الوجه سببه تعشعش عقلية القبيلة في نفوسنا ولهذا حديث طويل وقد شرح د. مصطفى حجازي الكثير منه في كتابه الشهير التخلف الإجتماعي، سيكلوجية الإنسان المقهور.
هؤلاء العملاء المباشرين للسفارات هم اليوم أضعف خلق الله لأن الوضع المزري في البلاد كمم أفواهم. فهم أعجز من أن يقارنوا سلطاتهم العربية حتى مع المستعمر!! فالإستعمار العثماني والفرنسي لم يسجن مفكرا بلغ الستين كعارف دليلة. ولم يغتال المستعمرون صحفيا في بلد آخر. وأية ثقافة هذه التي تشرد كل معارض أو مشكك؟ اليس الشك أول طريق الفلسفة؟ وهل نتج فكر ما نتيجة الموافقة والتأييد من نمط 99،99%. وهل أنتجت 70 سنة ستالينية أديباً واحدا من وزن تشيخوف أو تولستوي أو تورغينيف أو دوستويفسكي الذين قدموا في ظل القيصرية (العاتية) للعالم روائعا أدبية خالدةً؟ هل أخرج البعث في كل تأريخه كاتباً عالمياً واحداً أو حتى مهماً ؟!
هؤلاء العملاء المباشرون صمتوا اليوم لكن في بداية الثمانيات من القرن الماضي كان شأنهم غير ذلك.
كان أحدهم – وهو اليوم دكتور صحة – حقير لم يخجل من شتيمتي أمام الجمهور في هايدلبرغ عندما ألقيت محاضرة تقييم لأفلام المخرج السوري العبقري عمر أميرالاي صائحا أمام الجمهور أن ذلك الفيلم خيانة وطنية مع أنه كان من إنتاج سوريا. هكذا كان مفهومهم عن رسالة أمتهم الخالدة.
 
*كيف كان هؤلاء ينشطون ضدك خارج حدود السفارة هل كان لهم تأثير في ألمانيا بعلاقتك مع الجمهور الألماني ؟
**سأروي لك جواباً على هذا مافعله أحد البعثيين السوريين في المدينة الألمانية التي يقيم فيها. كان ذلك في أول طريقي إلى العلنية الأدبية في المانيا في مطلع الثمانيات. كنت آنذاك أطبع كتيباتي الصغيرة في دار نشر صغيرة أفلست فيما بعد. وبدأت بجولاتي للمحاضرة لكي أعرف القراء بكتبي بعد أن أطبقت عليها الصحافة الثقافية جدار الصمت وهو من أكثر أدوات النقد المميت فعالية. وقد كان وقتها يأتي الى محاضرتي من 10 إلى 20 شخص لا أكثر (وذلك بعد سفر مسافة 500-700 كم). تلفن البعثي قبل يوم من المحاضرة للمكتبة وأعلم مديرتها التي لم تكن بالكاد تعرفني أنها أخطئت بدعوة رفيق شامي فهو غير مرغوب فيه لدى كل العرب في المدينة (ليتصور كل قارىء بهدوء هكذا إساءة للثقافة العربية أمام الملأ) وهو ينصحها بإلغاء الدعوة والمحاضرة لأن "العرب" سيأتون ويكسرون القاعة فوق رؤوس الكاتب وجمهوره. منع يومها العقد المبروم بيني وبين المكتبة إلغاء المحاضرة لكنني لاحظت إضطراب المديرة حين وصولي. وكدت أظن أن الأمر مجرد حالة نفسية. كان عدد الحاضرين كالمعتاد بحوالي 20 شخصا. المحاضرة سارت على أحلى مايرام والنقاش كان جادا ومفيدا لكل الأطراف. عندما ذهبنا للعشاء المشترك بعد المحا ضرة تأوهت المديرة بحسرة "لغبائها" كما قالت إذ أنها كانت قد طلبت من أقربائها وأصدقائها إرجاع البطاقات خوفاً على سلامتهم وهي الآن تبينت متأخرة أن أحد "معارفها" العرب قد كذب عليها وقررت الإعتراف الصادق أمامنا وأنها ستعتذر ممن منعتهم من الحضور لأنها حجبت عنهم امكانية التعرف على ثقافة إنسانية كبيرة. تقريبا هذا ملخص ما قالته الإنسانة بصدق وشجاعة واعتذرت مني. قبلت اعتذارها بشرط تسمية الشخص أمام الحاضرين وتبينت فيه إسم أحد المخبرين والمترجمين السيئين الذين يتعيشون من السفارة السورية.
هذه المكافحة السرية فقدت عندي كل مفعولها إعتباراً من سنة 1989 حيث تقدمت روايتي "حكواتي الليل" كل قوائم المبيعات وترجمت حتى اليوم الى 22 لغة ( رواية رمزية عن الخرس المفاجىء لحوذي كان من أروع المحدثين وكيف أنقذ أصدقاؤه السبعة لسانه ليعود ويغرد في نهاية القصة بأجمل القصص. بالطبع يفشل الرجل السابع – ولولا ذاك لما كانت الرواية روايتي –  فالرجل كان خجولاً مُقِل في الحديث لأن والديه ربياه على الخوف من الكلام الذي يكشف حسب رأيهم مواطن ضعف المتحدث ولمعرفة زوجته بهذا الخوف رافقته في الليلة الأخيــرة لتروي قصتها في جو معادي لها إذ أن الرجال لم يشركوا حتى تلك الساعة إمرأة في جلساتهم. الحوذي سليم يومىء لزوجة صديقه مشجعاً أن تسرد ماتريد فتحكي العجوز قصتها لتنقذ بحكايتها لسانه وليشك في النهاية القارىء مع الأصدقاء وكل جيران الحي إن كان الخرس المفاجىء ليس إلا حيلة الحوذي الثعلب ليسمع من أصدقائه قصص حياتهم التي بخلوا بها عليه طوال السنين ).
منذ ذاك العام وقاعات محاضراتي تحجز سلفاً وقلبي مليء بالإمتنان للمستمعين والقراء الذين إستضافوني في قلوبهم وعقولهم. منذ ذاك العام توقفت الحرب السرية ضدي فهي لم تعد مجدية.
بعدها استلم زمام الأمر الفريق الأكثر قدرة والذي يتمتع بمدخل جيد إلى الصحافة العربية الناطقة بإسم الطاغية ولحدود صغيرة جدا إلى الصحافة الألمانية عبر تحالفات مع العنصريين الألمان. مثالان يكفيان: فجأة وبدون مقدمة أو مبرر يهاجمني أحد الأسلاميين المصريين المتمركسين بعض الأحيان والمتدينين بعض الأحيان ( على قولة فؤاد نجم وبصوت الشيخ إمام الرائع) بحقد عنصري لا مثيل له ضد " الشام" وضد "من يكتب بلغة أجنبية" في مجلة "أخبار الأدب المصرية" وثانيهم شاعركردي سوري على صفحات جريدة تشرين العالمية والتي لايتجاوز تأثيرها الرصيف المحاذي لمبناها. وأنا أتساءل إن كان الشعب الكردي قد انتهت كل مشاكله مع السلطة السورية ليلتهي شعراؤه بتجريح صيت كتاب المنفى السوريين.
فاصلة كـ مقهى:
*تكرس اسمك في الالمانية بعد جهد طويل استمر الى الان. اي حوالي ثلاثين سنة. كم –باعتقادك- ستحتاج من السنين لتكريس اسمك فيما لو كنت في سوريا وخصوصا انك تعرف ان الامر ليس ببساطة المانيا!! لان التعاطي مع الالمان كونهم بشر اسهل من التعاطي مع الالهة السوريين ؟
 
**نحن لسنا آلهـة بل مجتمع كله أنبياء لا يخطئون لكن ينقصنا فقط من يصلح السقف والمزراب. أنا لا أظن أن الأمر كان سيستغرق أكثر من أسابيع ليقر أنبياء الأدب والنقد الأدبي أن قصصي ليست صالحة للنشر وإذا أصريت برأسي اليابس كانوا سيكسروه بكل محبة أخوية لإقناعي أنه من الأفضل لي أن أبيع بندورة بدل هذه المساخر التي أكتبها.
 
المستشرقون واليسار والـ ... والنظرة للواقع العربي وثقافته
 
*هل يقتصر ( أعداءك) فقط على العرب الذين ذكرتهم؟ ألم يقف ضدك أحد من اليمين الألماني وأنت كاتب قادم إليهم من خارج ألمانيا ..
بل هناك مجموعة من الكتاب الألمان العنصريين وخاصة المستشرقين والمترجمين منهم، وهناك حلف غير مقدس بينهم وبين فريق من أعداء حرية الكلمة العرب ولهذا التحالف المفاجىء للوهلة الأولى سبب وجيه يجعله بديهي.
ولتوضيح ذلك يجب العودة إلى محتوى ما أكتبه وأسلوبه. فأعدائي ذوي الإنتماء العربي لايهمهم الأسلوب بقدر ما يغيظهم محتوى قصصي خاصة الساخر منها لنقده اللاذع للديكتاتورية ولكل نتائجها. بينما يحاربني قلة من الألمان ليس لما أكتبه في المحتوى بل لأنني لا أتبع تخيلاتهم المحدودة عن شكل وأسلوب أدب الرواية "الشرقي" عموما والعربي خصوصا. لقد حلم العنصريون دوما أن يمارس العالم أجمع رؤية وتذوقا للجمال عبر منظارهم ووضعوا قيما للنقد ومعايير تتفق مع رؤيتهم الأوروبية. الثقافة الأوروبية هي المركز وكل من يريد الحضارة وأشعة شمسها عليه الدوران بفلك نموذجها الأوروبي. لا بأس أن يكون الأمريكي أمريكيا أو أرجنتينيا أو برازيليا ولا بأس أن يكون وحشي بعض الشيء أو عجائبي بعض الشيء لكن العمود الفقري لكل مايعمله عليه أن يبقى أوروبيا. أقول هذا بإختصار شديد. لذلك يصعب على المثقفين الأوروبيين المصابين بعقدة "المركزية الأوروبية"(اليوروسنتريزم) قبول أشكال أخرى للديمقراطية أو الفن أو الإعتقاد الديني أو حتى أسلوب الفرح والحزن الضحك والمحبة. كله له في ذهن العنصريين الأوروبيين مقاييس ثابتة يضعونها هم للعالم. هذا الموقف واضح وكان بمثابة إعلان حرب على كل ما أكتبه وخاصة أسلوبه.
* هل قادك هذا الموقف من النقاد الاوربيين إلى شعورٍ أو موقف عدائي اتجاه الأدب الأوروبي ؟ وهل لك تحفظ سابق على تصورهم هذا  ؟
**لا أشعر بأية عدائية فأنا منذ شبابي ولظروف سعيدة تعرفت باكراً على الأدب العالمي بشكل لا بأس به وأعجبت بكثير من الروائيين وحاولت فهم أسلوبهم الفني ولي تجارب متواضعة لم أنشرها موازية لأسلوب همنغوي وجاك لندن ومكسيم غوركي وفوكنر وكافكا. وكنت ولا أزال أعشق الأدب العربي القديم خاصة منه الروايات التي التهمتها بجوع كبير ولا أزال حتى اليوم في منفاي الألماني أحاول الوصول الى كثير من الكتب القديمة. وأكثر ما شد إنتباهي كان الكتاب المقدس بعهديه القديم ( التوراة) والجديد(الإنجيل) ثم روايات ألف ليلة وليلة (الكاملة).
 *كيف تأثرت بهذه الكتب.. أو كيف أثرت فيك.. بدقة أكثر مالذي تعلمته منها ؟
**باختصار: ليس هناك أي مانع من التأثر بأي أسلوب لروي قصة ما فالفن ملك الشعوب بأسرها وهو من صنع هذه الشعوب مجتمعة. فالتداخل بين الحضارة اليونانية والمصرية القديمة من جهة والعربية فيما بعد التي هي بدورها تأثرت وأثرت في الحضارة اليونانية وحضارات أسيوية وإفريقية أخرى كبير ومعقد وأصبح من سابع المستحيلات تحديد خطوط فاصلة بين الحضارات. أرفض إذن ومبدئياً الفصل بين "شرق" و"غرب" وهذا بالذات يشكل العمود الفقري للإستشراق والإستشراق المعكوس (وهذه الأخيرة أحق صادق جلال العظم في نقدها).
الشرط الأساسي للتبادل الثقافي هو معرفة الذات والآخر. وهذه بالذات – معرفة الذات – هي موطن الضعف في أكثر كتابنا الذين يخرون، بعد أول إحتكاك مع الغير، راكعين أمامه ويظنوه لذلك عملاقا. نحن لدينا تراث قديم في الحديث والرواية، منجم ذهب مليء بآلاف الأمثلة عن قصص مشوقة ببنية قريبة من فن الحكاية الشفهية التي كانت ولا تزال تأسرني وهنا وجدت مباشرة الجواب على سؤال حيرني لسنين: لماذا يصيبني على الأغلب ملل عندما أقرأ بعض الروايات العربية الحديثة بينما لا أشعر باي ملل من قراءة المستظرف للأبشيهي أو لطرائف وقصص العرب القديمة وللمرة العاشرة. السبب وجدته في تقليد أغلب كتاب الرواية العربية للأسلوب الأوروبي في الحديث تقليدا أعمى. أنا لا أبسط الموضوع إلى حد نكران إمكانية التهجين بين أساليب الحكاية. أنا أنتقد التقليد السائد والذي لا يزال إلى اليوم متعلقا بما هو موضة. المدرسة الفرنسية ثم الإنكليزية ثم الأمريكية ثم الروسية والسوفيتية ثم أخيرا وليس آخرا الأمريكية الجنوبية منذ إقتحام غارسيا ماركيس لغات العالم في "عزلته". سؤالي عن الأسلوب طرحته وأنا لم أتجاوز العشرين وقررت الذهاب في طريقي بحثا عنه وكنت أعلم أن هذا الطريق الخاص بي سيكون طويلاً وعسيراً. أول تعليق حصدته من صديق دمشقي مقرب لي جداً عندما تجرأت وأعطيته قصة تحكي معاناة طفل صغير في مدرسة يطلب منه الأستاذ كتابة موضوع عن سيران( بالعامية الدمشقية =نزهة الى البساتين غالباً مع مأكل ومشرب) فيكتب الطفل كيف تشاجر أبوه وأمه لمجرد طرح موضوع السيران وقد كتب الطفل الحوار ببراءة تضحك وتبكي الحجر وبدل التقدير أعطاه الأستاذ في النهاية صفر لخروج الطفل عن الموضوع. " هل تريد أن تصبح تلميذ شهرزاد؟" سألني. أجبته: "ياريت". شهرزاد التي قاومت الموت بالكلمة وسحر جمال الكلمة وحولت طاغية الى مستمع مرهف، إلى طفل صغير تلعب الراوية بأعصابه. لم يهمني الأمراء والأميرات اللواتي كن يسقطن مغشيات على طوال السيرة لفرط رهافة أعصابهن. لم يهمني قط ما قاله الخليفة الفلاني وما أغدق به على فلان من الجواهر فأدبنا القديم مليء بتلك المبالغات لكن هذا لا ينقص جماليته فنحن كثيرا ما نحكم بعنجهية على زمن كانت مقاييسه وأسلوبه متعلقة بظروف حياة تغبرت ولم نعد نعرف عنها إلا القليل. ومن جهة أخرى منهجية: لماذا هذه العدائية المفرطة؟ هل لأن بعض ما تحتوية آلاف القصص من ضعف بنيوي أو فكري؟ إثارة الأوهام في بعض القصص ورجعية بعضها الآخر ومحافظتها عل ثابت لا يتحول؟ كل هذا قد يكون صحيحاً والنقد محق ولكن من الذي يرفض الأدب الواقعي الأوروبي لمجرد إحتوائه على آلاف آلاف القصص والروايات والمسرحيات المملة والمولدة للوهم كأطنان الأدب الواقعي الإشتراكي السيء أسلوباًً والمضل محتوى ؟ وبين ملايين الصفحات المملة تضيء جوهرة أنتجها فرانس كافكا، بريشت، سرفانتيس، شكسبير أو فرجينيا وولف. هكذا أيضاً تراثنا، هكذا كل فن وهكذا الحياة.
نصحني صديقي الطيب آنذاك أن اترك هذه الحكايات القديمة "فالعصر عصر كافكا وهيمنغوي وشهرزاد ليس لها خبز" قالها بمحبة ورفضت، مسكوناً بسؤالي الخاص: لماذا يفرض الغرب علينا كره ذاتنا وثقافتنا ولا يطرح كره ذاته وثقافته ابداً للنقاش؟
 *هل يفهم من هذا اشتققت أسلوبك الخاص من ألف ليلة وليلة و أساليب السرد العربي القديمة ؟ وما الذي ترى أنه ميز أسلوبك بالدرجة الأولى ؟
**ما أدهشني دوما وما كنت أفتش عنه ولا أزال هي الحبكة التي تأخذك معها عبر مئات الصفحات دون أن تشعر. أردت أن أنهب قرائي من أرضهم ومحيطهم وأدخلهم عالم أبطالي الذين ينحدرون كلهم من حي العبارة الشعبي ولا يغادرون دمشق إلا ماندر لكنهم يأتون بالعجب العجاب ويدهشون حتى أعظم سيرك زار دمشق ( وهو موضوع روايتي الصادق الكاذب التي صدرت عام 1992). لم يكن يهمني من أين يأتي معلمي ومعلمتي في البحث عن أفضل أسلوب ومن أية قارة اتعلم أكثر ولكني رفضت قطعا وبإصرار عدائي أن يملي علي كائن من كان كيف علي أن أحدث الناس. فمعمودتيي النارية خضتها في حي العبارة وأنا خريج هذا الحي.
وأنا أعتــقد جازماً أن التفتيش عن أسلوب فريد لكل قصة يستحق أكبر حيز من إهتمام الفنان. فالمحتوى والأسئلة الإجتماعية التي تحتويها  قصيدة، قصة أو فيلم أو أغنية أو لوحة ما هي ذاتها لم تتغير إلا بشكل طفيف منذ بدايات المجتمع الإنساني. أنظر الى الأشعار المصرية والصينية واليونانية(خاصة كاتبي المفضل لوكيانوس السميساطي السوري الأصل والذي كتب باليونانية أولى قصص مغامرات الرحلات الفضائية) والعربية والأوروبية القديمة وسترى أنها جميعا تعالج ما لا نزال نعالجه إلى اليوم. ما يحول أي موضوع إلى فن هو كيف نسبك هذا الموضوع أو المحتوى وأنا أعتقد جازما عبر دراسة طويلة لا مجال لتفصيلها الآن أن كل موضوع له شكل واحد فقط يجعله فناً خالداً. ليس مئة شكل بل شكل واحد. رواية زوربا مثلا ليست بهذه الجودة إذا قرأتها باليوناني فهي مكتوبة بيونانية صعبة الهضم وبفلسفة إنتقائية أخذ فيها كازانتزاكيس من كل حديقة فلسفية زهرة وهذا مايعيـبه الكثيرون عليه فهو يظهر في النهاية كونفوشي مسيحي مسلم ماركسي مثالي...الخ. تحسنت الرواية وتحدثت في طبعتها الإنكليزية حيث ترجمت بشكل جيد جداً وأتى الفيلم العبقري تضافرت فيه موسيقى الشعب اليوناني القديمة مع حساسية ثيودوراكيس العظيمة ومع أنطوني كوين وإرين باباس لتجعل من القصة جوهرة فنية خالدة وهي في هذا المثال الشكل الوحيد الذي كان يفتش عن مكتشفه. مقابل ذلك ترى آلاف الأفلام عن أدب عالمي تشوه القصة وتنحدر بها إلى مستوى رخيص أو ممل أو متصنع الخ.. هناك أيضا مئات القصص والقصائد والصور واللوحات عن مأساة القرية الباسكية غارنيكا (شمال إسبانيا) التي دمرتها الطائرات النازيةفي 26 نيسان 1937دعما للجنرال الفاشي فرانكو ولكن لوحة بيكاسو هي الوحيــدة التي حولت الرمز الإنســاني هذا إلى عمل فني خالد. لذلك أعطي التفتيش عن أسلوب لرواية حيزاً كبيراً ولا أترك شيئاً للصدفة والفهلوية.
·        كيف كان تلقي الأوساط الأدبية الألمانية لنتاجك.. خصوصاً بعد أن حققت حضوراً ؟
**ازدادت المحافل الأدبية إحتفالا بي وبأعمالي واصدقك القول أنني توقعت الكثير من الحسد ومن هجوم الأوساط الرجعية المعادية للعرب وهذا حصل وما زال يحصل حتى اليوم بشكل محدود. سلاح الأعداء في المجتمع المدني الديمقراطي الحديث هو البحث عن نقطة ضعف فيما تقول وتفعل فإذا لم يجدوا شيئاً لجأوا  للسلاح الأكثر فعالية وهو إحكام جدار الصمت على كل ما تنتجه.
المفاجأة الكبرى التى أصابتني من حيث لم أحتسب. عدائية أتت من صفوف المستشرقين وأخصائيي الأدب والثقافة والإجتماع في بلاد الشرق. اغلب هؤلاء الألمان يستطيع قراءة العربية بصعوبة ويتحدثها بشكل بالغ السوء ولا يمتلك وسائل اللغة الألمانية الأدبية اللازمة للترجمة لكنهم ولأنهم عورٌ بين عميان صاروا يسموا أنفسهم "خبراء" الأدب العربي والتأريخ العربي والنفسية العربية لا بل وخبراء في قضية المرأة وفلسطين ولولا خجلهم لأصبحوا أيضا خبراء الفلافل والفول المدمس.
فجأة في خريف 1989 بدأ أحدهم بالتكرار الممل – آملاً أن تصبح الكذبة حقيقة – أن رفيق شامي يكتب بشاعرية قصص خيالية تقدم صورة زهرية بهيجة عن الشرق(لاحظ التناقض الحاد بينهم وبين من يشتمني للإساءة للشرق.لكن متى كان الكذبة يأخذون المنطق بعين الإعتبار؟). وأن هناك كتابا عظماء يقدمون صورة صادقة سوداوية مأسوية عن الشرق ولذلك فهم كخبراء ينصحون الجمهور بقراءة تلك الكتب المهمة جداً. وكانت هذه من أكبر المفاجآت سوءاً.
*لماذا ؟
**المفاجئة كانت كبرى، لأن أغلب هؤلاء الأعداء الجدد ينحدرون من الحركات الطلابية اليسارية المؤيدة للعالم الثالث – كما كانوا يظنون على الأقل – ومن تلك الحركات ينحدر بالمناسبة المستشار الألماني السابق الإشتراكي الديمقراطي شرودر( بكلمته الشهيرة: اليوم أكافح ما كنت أكافح لأجله) ووزير خارجيته يوشكا فيشر من حزب الخضر (أسوأ وزير خارجية في تأريخ ألمانيا تجاه العرب والفلسطينيين.)
بالطبع يمكن على الطريقة الشامية لعن جد جد الذي خلفهم وبالطبع كانوا قلائل ولا قيمة لهم لدى جمهور القراء لكن أثرهم في الدوائر الثقافية كان كبيرا مثل مثقفي السلطة لدينا الذين يتسللون زحفاً وبمهارة ليعشعشون في وزارارت الثقافة والأمية.
كان عدداً قليلاً منهم عميل مباشر للسفارات العربية وأغلب الظن عميل لكلا الطرفيين الألماني والعربي. فالألمان شعب عادي جداً يمكن شراء بعض أفراده. هؤلاء فضحوا أنفسهم بأنفسهم ووفروا علينا العناء إذ صاروا فيما بعد مترجمين لصدام حسين والقذافي ورواياتهم المملة ونالوا على التطبيل والتزمير لهما ما يكفيهم من النقود والإحتقار. بعضهم كان ضيفاً دائما على وزارات الثقافة العربية التي تعج بالكتاب الذين يحلمون أن يأخذ هذا المستشرق أو ذاك عملهم بعين الإعتبار وينقله للغة أوروبية. وبالتالي كان هؤلاء الألمان يشمون شيئا من رائحة السلطة العربية ويظنون أن لهم سلطة ويوهمون من يتكلمون معه من الكتاب أنهم ذو شأن في المانيا. لكن تأثيرهم ألمانيا كان - كما كانت تقول جدتي المرحومة - "مثل الضراط على البلاط" صوت قوي دون مفعول يذكر. لكن رائحته كانت مزعجة. فجأة تجد نفسك في صراع مع بيروقراطيي الثقافة وكأنك في بلد عربي.
*إذا كان نجاحك سببا معقولا لعدائية أعداء الثقافة العربية فما سبب عدائية أناس يدعون أنفسهم تقدميين و يعملون جهدهم ساعين لنشر الثقافة العربية في المانيا ثم يعادون أكثر الكتاب العرب إحتراماً لدى القراء الألمان بدل التعاون معا على إنجاز المهمة الكبرى في الدفاع عن الثقافة العربية؟
**ليست المسألة مسألة إنفصام شخصية ولا يشرحها الحسد وحده ، إنما هناك سبب أكبر وأكثر عمقاً من ذلك بكثير.
*ماهو هذا السبب الأكثر جذرية الذي يفسر هذا العداء ؟
**يصاب الكثيرون من الأوروبيين المثاليين العاملين في ميدان تحرر العالم الثالث (وأقولها بدون سخرية) بخيبة أمل وإحباط عندما يرون موضوع شوقهم ومحبتهم على أرض الواقع.
ورأينا الكثير من اليساريين المان المتحمسين لقضية فلسطين عندما عادوا بعد عدة سنوات من العمل الميداني في بيروت أو الأردن ليصبحوا من ألد أعداء القضية الفلسطينية العادلة أو ليلقوا بكل تسيسهم إلى الجحيم ويعودوا إلى حظيرة العائلة الغنية التي غادروها وإلى الفكر الأوروبي المركزي والذي يرى في صرته مركزا للكرة الأرضية. وإذا كان الشاعر الكبيرهانس ماغنوس أنتسنسبرغر والصحفي اليساري الراديكالي هيرمان غريمليتسا أكثر الألمان يسارية وراديكالية في أواخر الستينيات قد أصبحا اليوم لأسباب عديدة منها إحباط أمالهما في كوبا ومناطق أخرى من العالم الثالث من ألد أعداء العرب والإسلام فإن ما حصل لآخرين في هذه الحركة شبيه جداً وإن كانوا أصغر حجما بكثير من المذكورين أعلاه. مأساتهم تظهر بانقلاب شعارهم اليساري المتطرف:" لنتعلم من فيتنام وكوبا" الى تطرف آخر" كل ثقافات العالم ينطبق عليها مقاييس أوروبا" هذا هو نقطة الخلاف المركزية بيني وبينهم والتي لا يمكن الإلتقاء عندها أو التوافق عليها. ليست المسألة مسألة عناد بل هي مسألة مصير. إما أن نحطم طوق العبودية والتبعية باحثين عن إسلوبنا في التعبير وإلا فنحن هالكون إذا بقي دورنا ليس إنتاج أدبنا بل ترديد ببغائي لرؤاهم وخصي المواضيع وقصقصة أجنحتها لتناسب أسلوب المدارس الأوروبية بالحديث. كل منهم لا يكاد يلم بتأريخ حياة عائلته وينصب نفسه أخصائيـاً في نقد الأدب العربي أو النيجيري. وكانت وجهة نظرهم التي صرحوا بها مرارا، في مقالات هشة:إن أهم ما ينتظروه من الكتاب العرب هو مساهمة هؤلاء بما "بعد الحداثة". أو عبر إختيارهم وتشجيعهم عملياً لكل مقلد لأدب الغرب " هذا بإسلوب كافكا وذاك يذكر بتوماس مان أو بلزاك وهذه بسيمون دو بوفوار وتلك بالكاتبة الأمريكية علانة..."
صار الأدب العربي برمته صورة مهزوزة للأدب الأوروبي. وشيئا فشيئا توضحت الخطوط الفاصلة بيننا وإنتقل الحوار من الصوت الهادىء إلى الصراخ. وأتى مهرجان "آفاق Horizonte". إذ لأول مرة تتبرع برلين من خلال هذا المهرجان  بمبالغ ضخمة لإجراء حوار بين الشرق والغرب وبما أن الدوائر الرسمية على عكس نظيرتها الفرنسية أو الإنكليزية لا خبرة لها بالشرق أوكلت لأحد هؤلاء " الخبراء" بتنظيم الدعوة لكتاب من الشرق فحقق هذا (الخبير) كل تصوراته الإستعمارية حول الحوار. دعى حوالي 20 كاتباً منهم 9 إسرائيليين 4 مصريين والباقين من بلاد العروبة. واقصى كل الكتاب الفلسطينيين وكل كتاب المهجر والمنفى الألماني الذين يكتبون ويتكلمون باللغة الألمانية. و كيف كان الحوار الختامي بين الشرق والغرب؟ إنه مسخ لكنه يعبر عما يعتقد به هؤلاء: حوار ممل بين الكاتب الألماني غونتر غراس والكاتب الإسرائيلي عاموس عوز عن علاقة الشرق بالغرب. وقد مسحت الصحافة الأدبية الأرض بمنظمي الإحتفال.
هذه هي حقيقة وموقف هؤلاء قدموها علنا لمن يريد أن يتعلم. وهاجمتهم بعنف شديد بمقالات أثارت وقتها حواراً علنياً عنيفاً. وتمت القطيعة النهاية بيني وبينهم ولا تزال حتى اليوم. لم يفتح مثقف من مثقفي السلطات العربية ولا ملحق ثقافي عربي واحد فمه على هذه الإهانة.
كانت نتيجة إحتفال "آفاق" مخزية "للخبراء" فحاولوا تفسير فشلهم بأن رفيق شامي خرب ذوق الجمهور الألماني الذي أصبح لا يريد سوى الشرق الذهبي الذي يقدمه هو وزملاؤه في المهجر. وادعوا أن إقصاء الفلسطينيين كان خطأ "وأما رفيق شامي وزملاؤه فهم ليسوا راديكاليين ولاهم كتاب عرب لكي ندعوهم". فهذا (الخبير ) الذي درس عدة فصول علوم إسلامية ويستطيع بعناء شديد فك الحرف يشتم منفيـين سياسين بأنهم ليسوا راديكاليـين كفاية و يقرر من منا يكتب أدب عربي ومن لا يكتب. قد يثير ذلك الضحك لكن أن ينسى كتاب عرب أقصيوا من الحفل هذا العمل المشين ويعقدوا بعدها صداقات مع هؤلاء (الخبراء ) فهذا مصيبة النفس الذليلة مهما كانت جنسيتها وليس لمثل هكذا خنوع وطن.
حاول هؤلاء ( الخبراء) بكل إمكانياتهم فيما بعد محاربة كل زملاء المهجر والمنفى بترويج دعاية تضحك أي مبتدأ في حقل الطباعة والتجارة بالكتب. رفيق شامي يكتب قصص ألف ليلة وليلة ويدوخ الألمان بلغة جيدة ولكن بمحتوى خطير. وهذا يقولوه وهم يعلمون أنهم يكذبون وينقله بعض العرب دون قراءة كتبي فترى تلك التلميحات تتكرر في بعض الصحف العربية وتيقن عندها أن هذا الناقد العربي ليس حمارا لأن الحمار حيوان ذكي.
*ما هو موقع اللغة العربية ومكانة الأعمال الأدبية العربية لدى الناشر والقارئ الألماني والاوربي بشكل عام ؟
**اللغة العربية تحتل على قائمة أولوية اللغات موقعا منخفضاً. والجرم في ذلك لا يقع على كتابنا بل على حكوماتنا التي تنام منذ عقود ولا تبالي ولا تهتم بالترجمة من وإلى العربية وبشكلٍ عام وضع اللغة العربية كلغة عالمية في خطر. وقبل أن نندب على وضع اللغة العربية والكتاب العربي خارج بلدانها لننظر الى سوء وضع الكتاب العربي داخل البلدان العربية لننظر إلى منع الكتاب العربي من التنقل بين البلدان العربية قبل مطالبة الأوروبيين بإحترامه. أنا أعرف عبر حاجتي الدائمة للكتب أنه من الأسهل لي للتعرف على كاتب سعودي مثلا أن أطلب كتبه عن طريق لندن أو باريس من أن أفتش عنها في البلاد العربية. اليس هذا فضيحة؟
الأدب العربي وضعه في الأسواق الأوروبية مُبكي للأسباب الموضوعية للسوق وللتنافس الشديد والتي نوهت بإختصار شديد عن طبيعتهما كما ولأسباب ذاتية يقع الجرم فيها علينا أولها تأخر عقل ووعي السلطة الديكتاتورية بكل أنواعها وكتابها الأشاوس الذين يخربون يومياً ارضية الفكر والكتاب ليقدموا بعدها تفسيرات مضحكة مبكية ( رحم الله حبيب كحالة) عن سبب عدم إنتشار مايكتبوه.
 لقد إقترحت مرة (ساخراً لعلمي أن هذا الذي أقترحه من سابع المستحيلات) تخصيص مدخول البترول في كل البلاد العربية ليوم واحد سنويا للإعتناء باللغة العربية مثلاً للترجمة من وإلى العربية مما سيرفع شأن الكتاب العربي عالمياً ضد كل أعداء الثقافة العربية. بدل ذلك لا تسمع إلا ندباً على ما أسسه اليهود من دور نشر وشركات لإنتاج الأفلام والموسيقى وبدلاً من أن نجهد عقولنا لإيجاد تفسيراً مريضاً عن مؤامرات يهودية لنطرح سؤالا أقرب للعقل وهو ما الذي يمنع العرب من التنافس مع كل الشعوب في هذا المجال بدل الطرق الغبية التي يبددون فيها أموال شعوبهم بدون أية فائدة ؟
إضافة لذلك يجب أن لا نتجاهل أن هناك ضعف رئيسي في بنية الأدب العربي أساسا تعيق إنتشاره. خذ مثالا بسيطا. عندما أقرأ كتباً أو روايات عربية يلفت نظري كثرة الأخطاء اللغوية والبنيوية كما والهفوات الفنية. إنه إهمال شنيع يطبع به كثير من الكتب مظهراً ولغةً ومحتوى. هذا إحتقار للكلمة وكاتبها وقارئها. المسؤوليــة تقع بكاملها على دار النشر. هنا في المانيا تعتبر وظيفــة المدقق والمنقح أكثر الوظائف أهمية في دار النشر. والمنقح ليس مهمته المنع والمراقبة والتشويه بل تخليص الرواية من كل شائبة المت بها لكون الراوي ملتصق بأحداث روايته وقلة من الكتاب تتمتع بموهبــة الإنفصال النقدي عما يكتبوه ليكتشفوا مواطن ضعفه. المنقح يلعب دور القارىء النقدي المشكك بكل شيء وعمله صعب جداً لكنه يخفف عدد الأخطــاء التي سيكتشفها قارىء وفي روايتي الأخيرة التي قاربت صفحاتها الألف لا نزال حتى الطبعة العاشرة نجد هفوات مطبعية. ونجهد في تصليحها ونرسل هداية جميلة لمكتشفيها. ذلك رغم عملي الطويل في هذه الرواية وتنقيح مساعدتي الأخصائية في الأدب ومطالعة زوجتي النقديــة وتنقيح الرواية من قبل منقحين إثنين في دار نشر هانزر أحدهما أفضل منقحي المانيا على الإطلاق وهو مدير دار النشر بذاته ميشيل كروجر الذي أمضى شهراً كاملاً في القراءة ووجد الكثير من الهفوات.  
*  هل تحسب حساباً لعداء هؤلاء لك ولأقرانك من كتاب المنفى .. هل تخيفك اراء النقاد هذه التي تنشر حول نتاجك الادبي في الاوساط الألمانية ؟
*عدم الخوف من أي شيء ليس شجاعة بل قلة عقل. أنا أخاف من كل شيء ومن عاش طفولة وشباباً كالذي عشناه يعشعش الخوف عميقاً في عظامه. لكن الشجاعة هي أن تعمل رغم الخوف ما تراه حقاً.
خسارتي عبر المنفى كانت جسيمة وهي بالذات تشجعني على مواقفي. أنا خسرت في حياتي رؤية أمي وأبي وحارتي الشعبية ومدينتي الجميلة دمشق ليس لأخاف من هذا المستشرق أو ذاك المخبر وليس لآخذ كلام أي ناقد بعين الإعتبار. لي طريقتي وأسلوبي في الرواية ولي مواضيعي التي تشغل بالي وهذا فقط ما يهمني أما عدا ذلك فلا. لقد وجدت طريقي لأنني لا أسمع لفلان وعلتان وهذا ما لا أنوي تغييره في المستقبل. لذلك لم أهتم بعد ذلك بالصراع العلني بما يفعلوه أو يقولوه.
لكني أسرد ذلك لكي يدرك القراء تحت أية ظروف معقدة إيجابا وسلبا نكتب نحن كتاب المهجر والمنفى.
 
*ألا زال الموقف النقدي لهؤلاء (المستشرقين ) هو نفسه من الأدب العربي بشكل عام ومن أسلوبك الروائي بشكل خاص ؟
**بعد فشل الموضة الألمانية "ما بعد الحداثة" عاد الألمان من سنوات الى أسلوب الرواية المشوقة التي دافعنا عنها طوال السنين. والآن تخلى الإنتهازيون "خبراء الأدب العربي" عن موقفهم وبدأوا بمدح سندباد وشهرزاد ليس بطريقة أبو علي ياسين الرائعة الذكية بل باسلوب مبتذل أرفضه كلياً. وبرأيي أن للأدب العربي في المانيا مشاكل كثيرة أولها هؤلاء القائمين عليه علاجا وتحليلا وكأنهم في عيادة مريض.
*ماهو مصدر سوء الفهم لقراءة هؤلاء المستشرقين للادب والثقافة العربية بشكل عام.. هل يمكن نسبة هذا إلى أن مصادرهم " إسلاموية " وسطحية ربما ؟
أظن أن النظرة المتعالية نتيجة التفوق الإقتصادي والعلمي توهم هؤلاء أنهم أيضاً يعرفون مايلزم وما ينقص العرب من أدب وشعر وهذا نكتة غير متعمدة وأحياناً مضحك جداً.
*هل تعتقد أن هؤلاء المستشرقين يلتقون عن عمد أو غير عمد مع الإسلامويون. أم أننا نقع في مطب المبالغة إذا قلنا ذلك ؟
**أبدا لست تبالغ. المستشرقون يلتقون مع الإسلاميـين رغم تأكيدهم الدائم الممل أنهم أعداء. والنقطة المشتركة هي أيهام الناس بأن الإسلام كدين يخرج عن كل الأديان وله صفة خاصة تمنع إبعاده لا بل فصله عن الحكم. المستشرقون يزعمون ذلك إحتقاراً والإسلاميون يؤكدون ذلك كصفة إيجابية وسابقة لا مثيل لها. وكلا الموقفان عنصري في صميمه. الأول يحتقر الشعوب الإسلامية ويفترض وجود شيء خفي سحري في الإسلام يؤخر به مجتماعته ناسياً أن الحضارة العربية في أوج تألقها لم تكن على سطح القمر بل في وسط المجتمع العربي. والإسلاميون يدعون أن الإسلام وشعوبه روحانية لا تنطبق عليها قوانين الإنسانية التي أثرت على المجتمعات الأخرى. وكأن الأتراك يعيشون على كوكب آخر أو أنهم أصبحوا أقل إسلاما من يوم فصل كمال أتاتورك الدين عن الدولة. ويذكرني هذا بصورة الإسلامويين في أفغانستان وإيران وسوريا وفلسطين ومصر الذين يرتدون أحيانا طقماً أوروبياً ولكن ويا للفرادة دون ربطة عنق. هذا يا سادتي لم يوصي به أحد سوى إنفصام شخصيتكم.
 
*كيف كانت ردة فعل هؤلاء المستشرقين على روايتك الأخيرة؟
**عندما ظهرت روايتي " الوجه المظلم للحب" التي حملتها معي أكثر من 30 سنة واستقلبها النقد الأدبي الألماني فور صدورها عام 2004 بكل احترام وعبر قرائي عن حبهم لهذه الرواية الضخمة ورفعوها لثلاثين أسبوع الى قمة قائمة أفضل المبيعات (Bestseller) كما لم يعق حجمها الضخم بيع حقوق الترجمة لأهم عشر لغات عالمية في سنة واحدة. أما العربية فهي ملكي والنسخة العربية ستصدر في وقتها المناسب عن دار الجمل.
عندها لم يبق أمام ألد أعدائي سوى الباب الأخير للهروب إلى الأمام. "الرواية جيدة جدا" قالوا، لكنها "شامي جديد" لا علاقة له بـ"شامي القديم". لم يكن مقصودا في تعبيرهم التجديد اليومي المفروض على كل إنسان لا يريد أن يتحجر ويصبح تمثالا لنفسه. لا، هذا لم يكن ما قصدوه، فعدائيتهم أكبر من الحرص على سلامة تطوري . وقد رددت على سؤال صحفي استشهد بمقولة هذا "الخبير" بقولي رجاءً أن نتكلم ألمانية صحيحة ما معنى "شامي جديد"؟ شامي الذي كتب هذه الرواية يستيقظ معي طوال فترة كتابته منذ ثلاثين سنة ويشرب القهوة وهو يتذكر معي صبحيات دمشق ويكتب معي ويذهب لعند طبيب الأسنان معي يحلم يوميا بالعودة الى دمشق ثم يسقط منهكا وسعيدا في الثانية بعد منصف الليل في فراشه. بربك ما الجديد الذي فيه من جديد؟
ومن المؤسف – وأنا أكرر لدهشتي – أن ينساق كتاب عرب لا يفهمون الألمانية ويكذبون على قرائهم بمقالات ضدي تستند في كليتها على معلومات من أعدائي الألمان. وكم دهشت لبعض الكتاب العرب الذين يتملقون لي عند مقابلة ما ثم أسمع فيما بعد أنهم يهاجمون ما أكتبه دون قراءته.
 كتابي الأول بالعربية " التقرير السري عن الشاعر غوته" متوفر الآن في أغلب البلاد العربية فأين دليلهم على تحقيري للثقافة العربية؟
ويبلغ الأمر ذروة مضحكة مبكية عندما ينتقد كاتب فلسطيني عملي الأدبي لكونه – كما يدعي الأخ – لا يعالج معاناة شعبي والتي حسب رأيه الفرويدي التيليباتي – إذ أنه يحللني نفسياً عن مسافة لا تقل عن 3500 كم – نتج عن إبتعادي عن الوطن. ويلمح ويلوح آخر من ابناء العروبة في مجلة " فكر وفن" العنصرية بالجهات التي تقف خلف نجاحي. هكذا وبدون قراءة كلمة مما كتبت. بينما تعففنا عن مهاجمة الأخوة الفلسطينـين في الوسط الألماني رغم كذب بعضهم المحترفخاصة أولئك الذين يحلون ضيوفاً على كل الأنظمة العربية ويخرجون دوماً سالمين غانمين ومثقلين بالهدايا ثمناً للسكوت عن كل ضحايا الإستبداد في تلك البلاد.
*وهل يصيبك ذلك بمرارة خاصة وأن زميلة قالت لي أنك تقوم بالكثير من أجل أطفال فلسطين؟
**مرارتي أصبحت في المنفى وعبر الزمن الرديء محترفة لا تفرز علقمها لهكذا تفاهات صغيرة. فلسطين كما كتبت في إحدى مقالاتي جرح يحمله كل العرب مثل صحرائهم. لذلك يصعب على أي عربي نقد زملاؤه الفلسطينييـن بنفس الصراحة التي نواجه بعضنا فيها. وهذه ظاهرة مرضية. ومن تعافى منها سيُسمع الزملاء الفلسطينييـن يوما نقداً تشيب له رؤوسهم.
هناك مشاريع عدة يقوم بها ناشطون هنا في المانيا خاصة من أجل الأطفال الفلسطينيـين اليتامى التي خلفتهم الحرب الأهلية اللبنانية. أحد هذه المشاريع هو "بيت أطفال الصمود" في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. وقد ساهم اللبناني سعيد أرناؤوط مع ثلة المانيـــة من أطيب البشر معدناً بعمل دؤوب إلى نقل هموم هؤلاء الأطفال الى آذان وقلوب الألمان والسويسريين. ومنذ سنين نقيم حفلة سنوية وإحتفالاً أدبياً لنصرة الأطفال ثقافياً ومالياً وللتعريف بهم وبهمومهم. طبعا هذا كله لا يمثل إلا قطرة ماء صغيرة لهذه الأفواه العطشى لكنه على الأقل قطرة والأنهار والمحيطات تتألف من قطرات.
 
*هناك مجلة المانية تصدر بالعربية وتدعى "فكر وفن" توزع في كل السفارات الألمانية ومعاهد غوته. لماذا لم نقرأ لك مشاركة واحدة فيها؟
**هذه المجلة إذا دلت على شيء فإنما تدل على الطريق الذي علينا تحاشية عند حوار الثقافات. فوزارة الخارجيــة الألمانية تهدر الطاقات والأموال في الطريق الخاطىء لتنتــج هراءً سطحياً ملونا على ورق مصقول وبإدارة تحرير تكلف المواطن هنا مئات ألوف اليورو سنويا.  
كانت هذه المجلة التي بدأت وزارة الخارجية الألمانية بإصدارها عام 1963 تقصد الوصول إلى النخبة العربية لتغريهم بالفكر والإنتاج الصناعي والثقافي الألماني وكانت ولا تزال مصممة للدردشة في صالونات أنيقة أكثرمنها كمساهمة جادة في الحوار. اشرفت عليها خلال حوالي 40 سنة ثلاث نساء هن على التوالي: أنة ماري شيمل و إردموته هيلر و روزماري هول. كانت المجلة مملة ومليئة بالدعاية لألمانـيــا لكنها كانت على الأقل لطيفة وحذرة تجاه العرب وثقافتهم حتى في فترة حكم الحزب الديمقراطي المسيحي الطويلة.
ومع صعود التحالف بين الحمر والخضر للسلطة توقع الكثيرون تحسن هذه المجلة التي توزعها وزارة الخارجية ومعاهد غوته وتوجست الشر ليس لأني أحبه أو أميل للتشائم بل وبكل بساطة لأنني أعرف وزير الخارجية الأخضر يوشكا فيشر منذ أيام الدراسةوحين كان راديكالياً وفوضوياً في مدينة فرانكفورت لكنه كان منذ ذاك الوقت معادياً للعرب وخاصة الفلسطينيـين. وعندما تولى السلطة تخلى عن راديكاليته ونسي فوضويته لكنه ظل معاديا للعرب.
وبرعاية هذا الوزير الذي اعتز شارون علناً بصداقتـه بُدلت هيئة التحرير وقدم السيد شتيفان فايدنر منذراً بعصر جديد ولم يتركنا ننتظر طويلا لنرى أسوأ ما يمكن إصداره يصبح منهجاً لهذه المجلة التي تدعي رغبة بناء الصداقة بين الشعوب. وفتحت المجلة وبدون أي خجل أبوابها لمترجمة رواية صدام حسين وكأنه لم تكفينا جرائمه وكان لا بد من رائحة فمه الأدبية التي تزكم الأنوف. أتت هيئة التحرير "لتردم الخنادق" كما ادعى مديرها فايدنر "بين الشرق والغرب" ففتحت هاوية. هَرّب فايدنر بكذب لا مثيل له كاتبة إسرائيلية ترعرعت في إسرائيل وخدمت في جيشه تدعى منى يحيــا على أنها أديــبة عراقية ونشرفي العدد 77 (2003) كاريكاتورا مستهزءاً بالإسلام ( تمثال الحرية الأمريكي بحجاب وقرآن). ولكي يبــين مدى إحترامه للعرب كرر رغبة إيرانيين أن لا يُخلط بينهم وبين العرب وأكد (في العدد79 سنة 2004) أن بعض المثقفين العرب يبالغون بمكانة وأهمية (Bedeutung und Wichtigkeit ) الثقافة العربية. هذا ما أدى إلى رفض العمل معه عندما دعاني اليه ومنعته خطياً وحذرت كل دور نشر كتبي من السماح له ولمجلة "فكر وفن" بأخذ أو نشر أي مقطع من أعمالي الأدبية.
فاصلة كـ مقهى:
هل تعتقد ان كونك كاتبا عربيا مجهولا ليس له أي فائدة ؟ فقد كان من الممكن عندها ان تكون عضوا في اتحاد الكتاب العرب برئاسة عرسان !! فما سيكون موقفك لو حضرت انتخابات الاتحاد الاخيرة وكان عليك أن تنتخب أما عرسان أو خليفته الذي أنسى اسمه غالباً ؟
**كنت سأنتخب علناً وبصوت عالي ابو نواس فهو رغم أنه ميت يقدم للأدب العربي إلى اليوم أكثر من إتحاد الكتاب العرب منذ يوم تأسيسه.

الجزء الاول

 الجزء الثالث



 
روابط ذات صلة
· زيادة حول لقاء جدار
· مقالات للكاتب خلف علي الخلف


أكثر مقال قراءة عن لقاء جدار:
منــذر عيــاشي في لقاءٍ ثري وساخن مع جــدار:طردني محاضر بعثي لأتتلمذ على فوكو


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق


المواضيع المرتبطة

لقاء جدار


اسمك: زائر: [ عضو جديد ]

الموضوع:


تعليق:

HTML مسموح:
<b> <i> <a> <em> <br> <strong> <blockquote> <tt> <li> <ol> <ul>
 

جميع الأراء و المقالات تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن رأي جدار
الحقوق الفكرية محفوظة لجدار © 2005 - 2007

  

PHP-Nuke Copyright © 2004 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.02 ثانية

تعريب وتطوير شركة أوسكار