غليون يعلن للعربية انسحابه من رئاسة المجلس فور اختيار مرشح جديد

التسلُّطية في سورية لستيفن هايدمان.. نظام العبادة الشخصيَّة

صدر حديثاً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» كتاب «التسلّطية في سورية، صراع المجتمع والدولة» للباحث والمحلّل الأميركي ستيفن هايدمان، ترجمة عباس عباس ومراجعة رضوان زيادة.

يسعى هذا الكتاب إلى إظهار الكيفية التي بنيت عليها مؤسسات النظام السوري التسلّطي المتين بالتدريج خلال مرحلة اتسمت بمستويات عالية من الصراع الاجتماعي والسياسي، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1963 و1970. يحاول هايدمان أن يقدّم تلك السنوات السبع الأولى من حكم البعث على أنها فترة تداخل فيها الصراع الداخلي ضمن البعث مع نشوء وتوطيد القواعد التأسيسية لدولة تسلّطية راسخة وقوية. بسبب التركيز على الصراعات الحزبية الداخلية خلال هذه السنوات، اعتُبر نجاح حافظ الأسد في تحقيق الاستقرار السياسي بعد عام 1970 لغزاً محيّراً ومفاجأة وقطيعة عميقة مع المرحلة السابقة. وباستحضار الأبعاد الدستورية للسياسة السورية إلى الواجهة، وإظهار الكيفية التي عملت فيها تلك المؤسسات بعد استيلاء البعث على السلطة، يظهر بجلاء لماذا كان نجاح الأسد أقل مفاجأة وإدهاشاً مما تبدى. فضلاً عن ذلك، تبقى تلك الأجهزة المؤسساتية مهمة اليوم كما كانت البارحة، حتى لو ميّزنا التغيرات التي اعترتها في العقود التالية لصعود حافظ الأسد إلى السلطة. تبقى لهذه الأدوات أهميتها في فهم السبب وراء قدرة بشار على تعزيز قبضته على السلطة منذ عام 2000، وتعليل استمرارية النظام الذي يقوده إلى الآن. فهي مهمّة، على الأقل، إلى المدى الذي تثقل فيه الضغوطات الإقليمية والدولية كاهل بشار، أو السياسة الفئوية التي هدّدت قبضته على السلطة في بعض الأوقات.

شخصنة

بحسب هايدمان فقد عمد حافظ الأسد الى شخصنة القيادة الى حدّ بعيد جداً في سورية بحيث أن موته طرح، على نطاق واسع، أسئلة أساسية حول الاستقرار السياسي والصراع الاجتماعي واستمرارية حزب البعث في السلطة. فعبادة الشخصية التي بنيت حول حافظ الأسد على مدى عقود كانت، بحلول أجله، قد كشفت تماماً الشخصيات الأخرى في السياسة السورية بحيث تُرجم موته على أنه مؤشّر احتمالي الى انحلال نظام الحكم بأكمله في سورية. مع ذلك لم تحدث تلك الاحتمالات المتنبأ بها، إذ لم تمضِ سوى أيام قليلة على وفاة حافظ الأسد حتى تحرّكت نواة النظام الداخلية لاصطناع مشهد مهيب للخلافة، بغرض تكريس بشار رئيساً على طراز يتماشى مع النظام الملكي أكثر منه مع النظام الجمهوري. يعكس التشديد على الإدارة السلسة لانتقال القيادة السورية، النية الواضحة لدى النظام في إبراز الالتزام الراسخ بالاستقرار والاستمرارية والسلم الاجتماعي.

قشرة

يضيف هايدمان أنه اليوم، بعد عقد كامل من احتلال بشار مناصب والده كرئيس للجمهورية والقائد الأعلى للجيش والقوات المسلّحة والأمين العام لحزب البعث، ثمة نقطتان حول الأحداث التي وقعت في صيف 2000 تستحقان التذكّر: الأولى، داخل سورية، فقشرة الوحدة الوطنية لدعم بشار، لم تخفِ، في الواقع، تلكّؤ بعض الأقسام داخل النخبة الحاكمة، فيما قسم قليل منها رأى لولائه ودعمه. والثانية، متعلِّقة بالأولى، إذ إن وصول بشار الى السلطة أثار شكوكاً معتبرة، داخل سورية وخارجها على السواء؛ حول سلطة الرئيس الشاب ودوام حكمه. هل سيعيش، وإن عاش فإلى متى؟ هل كان يتحكّم فعلاً بروافع السلطة في سورية أم كان مجرد دمية يشدّ خيوطها حرس نظام والده القديم؟ كانت الإجابات عن هذه الأسئلة، في معظمها، غير مطمئنة.
يتابع هايدمان بأن هذه المحاكمة كانت غير دقيقة بوضوح. بدا بشار أكثر أماناً في منصبه مما كان سابقاً، فقد تغلّب على تحدّيات هامة لمنافسين داخليين، ووضع مريديه المخلصين في مراكز أساسية. هكذا، خاض غمار الأمواه الغادرة لسياسات المنطقة خلال مرحلة من الضغط الاستثنائي إثر الغزو الأميركي للعراق. لقد تغلب على، أو على الأقل صمد أمام، سلسلة من العقبات التي كان لها كبير الأثر عليه، كتلك التي تلت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005، مثل انسحاب القوات السورية القسري المهين من لبنان، وخطر المحكمة الدولية الجاثم. الحفاظ على استقرار نظام حكم البعث واستمراره لا يقلّ أهمية؛ فعلى رغم التغيّرات الحاصلة في عدد من المجالات لا سيما تلك المتعلّقة بإدارة الاقتصاد، بقيت أدوات سيطرة النظام الأساسية سليمة. فبشار يواصل دعمه لدور حزب البعث ونقابات العمال ووسائل الإعلام والاتحادات الحرفية بوصفها امتداداً لسلطة النظام، كذلك يبحث عن طريقة للتكيّف مع، وليس التعديل الجذري في أطر العمل الدستورية التي تسمح للنظام بتوجيه سياق العلاقات بين الدولة والمجتمع في سورية.
يشير الكاتب إلى أن بشار شأنه شأن أبيه، أفاد من عملية بناء المؤسسات وتوسّع الدولة التي امتدت الى زمن طويل يمكن تتبّعه بالعودة الى تاريخ سورية في السنوات الأولى بعد الاستقلال. فأحداث الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين هي التي وضعت الأسس لنظام الحكم الذي أنشأه البعث خلال السنوات الأولى من حكمه تحديداً. في هذا السياق، أدى البعث دوراً حاسماً في صياغة إطار مؤسّساتي لنظام تسلُّطي متين في سورية خلال الأعوام 1963 ـ 1970. لكن هذا النظام لم يبدأ من لا شيء؛ إذ كانت لديه مواد كثيرة ليعمل عليها؛ وقد استفاد قادة الأحزاب أنفسهم من ميراث البناء المؤسساتي الذي حصل قبل أن يقبض حزب البعث على زمام السلطة في انقلاب آذار 1963. والحقيقة أن البعث صعد الى السلطة بعد عقود عدة من التنامي الملموس لدور الدولة وتضخّم بيروقراطيّتها، حيث انتقلت مسائل أساسية في عملية إدارة الاقتصاد، بما فيها من قضايا العدالة في التوزيع والتفاوت الاقتصادي، الى قلب الميدان السياسي، وفيها انبثقت نقابات العمال، التي نظّمتها الدولة وسيطرت بإحكام عليها، بوصفها مركزاً للتحرّك السياسي للمواطنين السوريين الذين استُبعدوا سابقاً من حياة البلاد السياسية.

تجربة

يلفت هايدمان إلى أنه في سورية كما في باقي بلدان المنطقة، نجح التحديث عبر التجربة والخطأ أكثر من التصميم المتعمّد من نظام الأسد. إضافة الى ذلك، وبالتعارض مع مصر والأردن والمغرب، كان النظام السوري كارهاً بشدّة المغامرة في مقاربته للتغيير، مفضِّلاً اتخاذ خطوات متواضعة جداً وشديدة البطء ومعطياً لنفسه الوقت لقياس الآثار الناجمة عن كل زيادة في التغيير قبل المباشرة بأي تغيير إضافي. مع ذلك، فإن آثار التحديث مرئية في أماكن عدة؛ فالنظام لطّف من معارضته التيارات الإسلامية ضمن المجتمع السوري من دون المساومة على التزامه بالطائفية، واستكشف استراتيجيات جديدة لإدارة النزاع الطويل بين الدولة السورية والحركات الإسلامية. فقد استجاب، بانتقائية، لمطالب «اللبرلة» الاقتصادية واندماج الاقتصاد السوري في الأسواق العالمية، كذلك وسَّع الفرص للنخب الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن رؤية العروض الطنّانة لثرواتها المتزايدة في شوارع أحياء دمشق مثل أبو رمّانة والمالكي والمزّة.
يضاف الى ذلك أن النظام السوري، كباقي نظرائه في دول المنطقة كلّها، قد طوّر تقنيات لإدارة وتسهيل الوصول الشعبي الى الإنترنت وتقنيات الاتصال الجديدة التي كانت تعدّ، حتى وقت قريب، حوامل محتملة للأفكار الديمقراطية وبالتالي قوى يجب مقاومتها. وميَّز أيضاً أن الحكم التسلّطي غير متضارب مع، بل إن بقاءه يمكن حقيقة أن يعتمد على تقوية طاقة الدولة والخدمات العامة من خلال برامج مثل: الإصلاح المدني الخدمي وإصلاح التعليم وإصلاح سوق العمل، وكلّ من هذه الإصلاحات قبلت به حكومة بشار الأسد بطرق محدودة.

الجريدة
التصنيفات:
الوراقون, ثقافات

أضف تعليقاً

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <p>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أخرى عن خيارات التنسيق

آخر المواضيع المتعلقة

10/05/2012
إبراهيم اليوسف - الإمارات: إزاء أية مرحلة جديدة، في أعمارالأمم والشعوب، فإن العيون لتتطلع إلى رؤية المثقف، كي...
08/05/2012
إبراهيم اليوسف-الإمارات: وإذا كانت البيئة الأولى التي فتح عليها شاعرنا عينيه قد أثرت في أعماقه، وغذت فيه روح الحس...
08/05/2012
عماد العبار: مرحلة ولادة الشبيح كانت تبدأ من هناك .. عند نزع الصفة الإنسانية لهذا الكائن البشري، ووضعه قسراً في...
08/05/2012
آلان كيكاني: تسري العولمة في حياة المجتمعات الحديثة سريان الدم في الجسم فتدخل كل مناحي الحياة وتؤثر فيها وتغيرها...

مختارات

25/03/2012
سلطان باشا الأطرش: عزمتُ وأنا في أيامي الأخيرة، أنتظر الموت الحق، أن أخاطبكم مودّعاً وموصياً. لقد أولتني هذه الأمة...
25/01/2012
Stephen Zunes: لا شيء يمكن أن يوضح بشكل أفضل التغيير الجذري في العالم العربي خلال العام الماضي: لم يعد الزعماء فقط...