غليون يعلن للعربية انسحابه من رئاسة المجلس فور اختيار مرشح جديد
رواية شاهد عيان

علي دوبا كان يهدي قبورا لأحياء ويرميهم في مشفى الأمراض العقلية

عام 1999 قمت بزيارة مع مجموعة من طلاب الفلسفة بجامعة حلب إلى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية ، الزيارة كانت تندرج تحت حلقات البحث العملية للطلاب.

لم يتبادر إلى ذهني ونحن متجهون في الطريق أني سأحمل تلك الرحلة كذاكرة منفصلة ترافقني إلى يومي هذا.

دخلنا إلى بوابة كبيرة تفضي إلى حديقة غير معتنى بتفاصيلها، استقبلنا أحد الأطباء والذي كان مسئولا عن جولتنا لنتعرف على المرضى المقيمين في المستشفى.

سرنا باتجاه بوابة مبنى النساء، في الطابق الثاني للمبنى شباك صغير أطلت منه إحدى المريضات، كان اسمها "نهلة" ، المشهد الذي أصبحنا جزءا منه لم يكن لقطة من فيلم، أو فصل من رواية منسية، إنما كان واقعا مؤلما لمسنا تفاصيله التي خرجت عن منطق الحياة.

كانت "نهلة" تضع أصيص ورد صناعي على طرف الشباك وتسقيه لتطوف منه المياه التي بدأت بالتساقط على رؤوسنا كالمطر وهي تنادي على ابنها الذي قتلته دون قصد، راحت تتمعن بوجوهنا ثم وقع نظرها على صديق لنا سألته عن اسمه قال: أحمد

غابت عدة ثواني وعادت بيدها ورقة رمتها لأحمد .. كانت رسالة حب مفاجئة رسمت فيها قلبا محاطا باسمها واسم أحمد.

ربما هي قصة حب خارجة عن الصورة التي نصادفها في حياتنا اليومية، حب اتسعت دائرته إلى أن تشاركنا نحن ومريضات المستشفى بالرقص والأغاني والدموع والحكايات و التي لا نسمعها في الخارج.

داخل المبنى كانت رائحة المعقمات والكلور تفوح من كل مكان، فربما إدارة المستشفى التي تعلم بقدومنا أصدرت أوامر بتفعيل حملة التنظيف، نظرنا جميعا إلى أعين بعض نستهجن الرائحة التي حاولت أن تغطي على سابقتها، في هذا المكان تدخل لتشتم رائحة الكلور المختلطة مع عفونة الأسرة ورائحة الأدوية، ليصبح الهواء كثيفا بذرات نتنة تقود إلى أفكار غريبة.

أثناء جولتنا في الممر الطويل خرجت إلينا من إحدى الغرف مريضة بكامل عريها وبدأت بالركض نحونا، ربما ممرضات المستشفى نسين أن يلبسنها وهن منشغلات بالتحضير لاستقبالنا لإظهار ما هو غير حقيقي، أذكر تماما كيف ركضت اثنتان من الممرضات يحملن شرشفا وقمن بتغطية المريضة العارية وسحبها إلى إحدى الغرف التي يعالجن فيها المرضى بالصدمات الكهربائية

تابعنا السير، تعرفنا على باقي النساء، بعضهن التزمن الصمت والحياد وبعضهن ركضن نحونا وكأننا الرمق الأخير لحياتهم.

حتى هذه اللحظة كانت الرحلة على نفس مستوى الدهشة الذي كنا نتوقعه، إلى أن ساقنا أحد الأطباء إلى قسم يدعى "المحترزة" والذي تبين فيما بعد أنه معتقل حقيقي داخل مستشفى الأمراض العقلية والنفسية، تم تصنيف نزلائه كمرضى خطرين، إلا أن واقع (المعتقل) داخل المستشفى كان مختلفا تماما، فقد كان تحت كل سرير مريض أو(معتقل) ملف يفضح أسرار وخفايا تم التعتيم عليها لأغراض قذرة.

قسم "المحترزة" كتلة ضخمة بأربع أوجه حجرية، نوافذها قد خُنِقت بقضبان حديدية متينة وقاسية تستنزف الروح بوحشتها قبل أن تستنزف اللغة التي ضاعت منا ونحن ننظر إلى ما يشبه السجن، علمنا حينها أن هذا المبنى يحل محل السجون السياسية التي قد لا نعرف مكانها او قد تغلق أعيننا ونحن نساق إلى مهاجعها وربما غرفها المنفردة المظلمة.

لم يكن مقررا ضمن جولتنا أن نزور"المحترزة" فقد كان هذا المكان ممنوعا ومحجوبا عن الزوار.

استطعنا بعد إلحاح على أحد أطباء المستشفى أن نلتقي مع أحد النزلاء والذي سرد لنا قصته.

كان يلقب نفسه ( سيد الكون ) رجلا سبعينيا، ضخم الجثة، يختال بحضوره الهائل، حليق الشعر، عيناه ثاقبتان ومتعبتان في آن معا.

خرج إلينا ( سيد الكون ) بابتسامة تختزل عمره الذي قضاه وراء القضبان، جلس على الأرض وبحركة من يده العجوزة تجمعنا حوله، بدأ يسألنا عن دراستنا، محاولا اكتشاف معلوماتنا قاصدا بذكاء فضح ضعفنا أمام ثقافته.

قلت: أنا أدرس في قسم اللغة العربية

دون سابق إنذار سحب نحوه دهشتنا بلغته وصوته الرخيم وهو يلقي معلقة أمرء القيس على مسامعنا، خلال الزمن القصير الذي قضيناه برفقته كان قد نقد إحدى نظريات كانط وتحدث عن الفيزياء والكيمياء والرياضيات والعلوم والأدب والسياسة بأفكار مختزلة متزنة وواضحة .

سألناه عن لقب سيد الكون

أجاب: "من هو الله..؟؟ أنا قادر على جمع ذرتي هيدروجين وأوكسجين .. هذا هو الخلق"..

الخلق.. الخلق.. الخلق.. نعم .. هذا ما كان يهجس به حين فرد حزنه على أرواحنا وهو يحدثنا عن المخلوقات البشرية التي جعلت مصيره عمرا هرماً خلف القضبان في معتقل للأمراض العقلية والنفسية.

قال: "في إحدى مقابر حلب لي شاهدة قبر عليها اسمي وتاريخ ميلادي وتاريخ وفاتي، ذلك القبر كان هدية علي دوبا لي، إن لم تصدقوا فاذهبوا لتروا شاهدة قبري"..

ضحك وهو يكرر رقما من ستة خانات عدة مرات، سألناه عن ماهية الرقم، فأجاب بأنه رقم سيارة "علي دوبا" التي كانت شاهدا على صفقات كثيرة والتي حينها كان لواء بالأمن العسكري.

(سيد الكون) ليس مجنونا أو فاقد العقل، إنما نموذجا على شاهد للفساد تحول مصيره إلى جثة قلّما تنبض على سرير في مستشفى للأمراض العقلية، وشاهدة قبر في إحدى مقابر حلب.

على بعد أمتار قليلة من جلوسنا كان يقف شاب في منتصف الثلاثينات، ينظر إلينا بحذر، كان يتقلب بين الضحك والبكاء، وأحيانا كان يرمقنا بنظرات غاضبة، علمنا فيما بعد أنه مهندس ضابط على مستوى عال من الذكاء، وعلى ما أذكر أنه كان يعمل في مركز حساس بالدولة، طلبنا من الطبيب أن نلتقيه إلا أن الأخير أكد لنا باستحالة الطلب وأخبرنا بأنه من أخطر المرضى المقيمين، تابع قائلا: "قد يفقد السيطرة على نفسه ويتهجم على أحد وربما يقوم بقتله" لم نستطع معرفة السبب الحقيقي لوجوده في قسم "المحترزة" إلا أن نظراته الحذرة والمرعبة في آن معا كانت تشير إلى ظلم اختبره فترك إشارات الخوف والانكسار على وجهه .

لم يكون وجود قسم "المحترزة" عبثي، إنما كان مقبرة حقيقية لدفن ما أرادوا دفنه من بشر ووثائق وقصص تفضح قذارة أعمال من كان مسئولا عن وجود أولئك البشر في هذا المكان الموحش، فربما أنت أيها القارئ لم تسمع سابقا بأن مستشفى الأمراض العقلية والنفسية يخفي داخل مبانيه دهاليز تسوق إلى غرف وحجرات أشبه بسجن لا تطاله أعين الزائرين.

خرجنا من المستشفى عائدين كل إلى بيته، حاملين صور ووجوه أكثر الناس حقيقة وطبيعية وصدقا وألما، وربما أدركنا حينها أننا جميعنا داخل المعتقل سجناء بأرقام مسجلة في النفوس تنتظر سفاحا ما يضع الأرقام على شواهد قبور جديدة.

كلنا شركاء

التعليقات

لاشئ غريب ولايصدق عن نظام

لاشئ غريب ولايصدق عن نظام كالنظام السوري

أضف تعليقاً

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <p>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أخرى عن خيارات التنسيق

آخر المواضيع المتعلقة

08/05/2012
إبراهيم اليوسف-الإمارات: وإذا كانت البيئة الأولى التي فتح عليها شاعرنا عينيه قد أثرت في أعماقه، وغذت فيه روح الحس...
08/05/2012
عماد العبار: مرحلة ولادة الشبيح كانت تبدأ من هناك .. عند نزع الصفة الإنسانية لهذا الكائن البشري، ووضعه قسراً في...
08/05/2012
إبراهيم اليوسف-الإمارات: لحقيقة، فإن السياسة، لم تعد ذلك التابو المحرم أمام الطفل، لاسيما وأنه بات يعيش الثورة،...
29/04/2012
كريستوف ريبارتشيك : أسلوبه الساخر متقن لدرجة كبيرة، مفرداته اللغوية مؤثرة لدرجة أنه حصد كل الجوائز الممكنة ووصلت...

مختارات

25/03/2012
سلطان باشا الأطرش: عزمتُ وأنا في أيامي الأخيرة، أنتظر الموت الحق، أن أخاطبكم مودّعاً وموصياً. لقد أولتني هذه الأمة...
19/03/2012
إبراهيم اليوسف : لن أذهب بعيداً، في التركيز على معاناة الرقة،منذ ابتلاء سوريا، على اتساع كيلومتراتها ال186ألف...