اذا كان القلق سمة بارزة، لدى المبدع الحقيقي، فإن هذا القلق يبلغ ذروته لدى الشاعر، وله دواعيه الفعلية، ومنها ما يتعلق بطبيعته الداخلية، ومنها ما يتعلق بانشغاله الإبداعي وحرصه الدائم على أن يقدم ما هو جديد، كي يتجاوز نفسه، بين نص وآخر، وألا تكون القصيدة اللاحقة نسخة “فوتوكوبي” عن السابقة عليها، من جهة، وألا يكون مجرد مكرر ببغاوي لنصوص الآخرين من جهة أخرى .
وحقيقة، إن الشاعر لمسكون بقلق دائم، وهذا القلق يأتي نتيجة صراع عالمين في ذاته، أحدهما العالم الخارجي من حوله، بكل ما يحمله من أسئلة حياتية يومية، والآخر عالمه الخاص، هذا العالم المفتوح على نوع آخر من الأسئلة، يخص تكوينه النفسي، ودرجة تأثره بما حوله، وإمكان تحويل كل ذلك، عبر تفاعل الوعي والحس، وترجمته في صور شعرية، متواشجة مع سواها، ضمن عمارة نص يكون الإيقاع عموده الفقري، الذي يشكل خطاً موازياً لهارموني النص .
وبدهي أن للبيئة العامة ومحيط الشاعر علاقة وثيقة بقلقه، لأن قلق ابن القرية يختلف عن قلق ابن المدينة، كما أن قلق ابن الصحراء غير قلق ابن البحرأو الجبل، إذ لكل منهما قلقه، بل إن قلق ابن المدينة أشدّ من قلق ابن القرية، كما أن قلق الشاعر في كل مرحلة ليختلف عن المرحلة الأخرى، وإن القلق قد بلغ ذروته - الآن - ونحن نعيش هذه النقلة العظمى، في ظل ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية، حيث تضيق أنشوطة القلق على روح وعنق المبدع، وتكاد تقصيه عن لجة الإبداع، لتشغله بشروط اللحظة المعيشة، مادامت الحياة متطورة، وما دام في إمكان شاشة الرائي أو الحاسوب أن تتدفق بالمعلومات الهائلة، وفي مطلعها هذا الحجم الهائل من الدماء المراقة، في كل مكان، ولاسيما في ما يتعلق بمنطقة عودة الوعي، من حولنا، حيث تصطدم فطرية الروح الإنسانية المسالمة، بشذوذ الروح البشرية التي لا تكترث بما تتركه خلفها من دمار كبير، وأشلاء إنسانية، اعتماداً على وسائل القتل والدمار، حيث تتمزق في المقابل روح الشاعر، وهي تتابع وحشنة الآدمي، ولامبالاته بالآخر، إلى درجة محوه من أجل إشباع غريزة السلطة والاستبداد، غير مكترث بما يتم من دمار للبيئة والإنسان، بما يؤثر حتى في حليب الطفل الذي سيولد بعد نصف قرن، في أقل تقدير زمني منظور .
وإذا كان الشاعر في ما قبل، يفزعه جرح طائر من حوله، فإن أعداد الضحايا البشرية التي ترتفع في العالم، بشكل يومي، من شأنها أن تراكم القلق، إلى الدرجة التي يمكن فيها أن يتم انسداد الأفق الإبداعي، في وجهه، لانشغاله بسؤال الخطر المحدق الذي يصيبه في أعماقه، ولعل هذا نفسه يكمن وراء تضاؤل نسبة قراء الإبداع، وذلك لأن الصورة الإلكترونية باتت تصدم متلقيها، على اتساع خريطة العالم، وتجعله أسيرها، وما يرفع من وتيرة مثل هذه الصدمة هو أنها تأتي مدماة، صافعة، أكثر دلالة، وبلاغة عن أي ضرب من أنواع الفنون، بما في ذلك الشعر نفسه، سيد الفنون قاطبة .
إن قلق الشاعر، في ضوء كل ما سبق، قد وصل إلى حده الأعظم، وفق بارومتر التفاعل مع العالم، حيث توأمة التكنولوجيا ووحام إراقة الدماء لدى الشذاذ، ما يجعل الشاعر أسير تلك الحبال الآسرة، بل الخانقة للإبداع، وللنفس، ولعل لا حل لمعافاة روحه وقصيدته، في ظل استرخاص روح الإنسان، على امتداد خريطة التوتر في العالم، وفي ظل هيمنة صنّاع الجريمة، وسفاكي الدماء الذين، لا يمكن لثقافتهم أو سطواتهم، أن تستمر، بعد الآن .
أضف تعليقاً